بقلم : امحمد مالكي ..
شهِد مفهومُ «الدولة العميقة» استعمالاً وتوظيفاً مكثّفين خلال ما سمي «الربيع العربي»، ولكثرة تداوله في اللسان العربي، لا سيما في مجال الإعلام وخطابات الساسة وبعض النخب الفكرية، اكتسى جاذبيةً خاصةً، وتحول إلى شِبه لازِمة لتفسير ما يجري في البلاد العربية، بل غدا لدى بعض محلّلي الشأن العربي إلى ما يشبه اليقين أو الحقيقة. والحال، أنه مفهوم يحتاج إلى تمحيص أكثر، وبحث أعمق في تكوّنه وحمولته، ومدى صلاحيته من الناحية العلمية والمعرفية.

يُقصد بـ»الدولة العميقة» في الكثير من الأدبيات ذات الصلة تلك «القوة الخفية غير المرئية للعيان، المتحكمة في مصادر الثروة والجاه، غير المدعومة بشرعية الانتخاب، والممتدة في أكثر من مفصل من مفاصل الدولة».. أما وظيفتها فتكمن في «التحكم في صنع القرار عبر شبكات التأثير والضغط، وأحيانا من خلال ممارسة العنف غير المشروع».

فالدولة العميقة مُنبثّة في مؤسسات الاقتصاد والإنتاج، وفي أجهزة الأمن والجيش، وفي المخابرات بكل أنواعها وأشكالها.. وفي كل مواقع صناعة السلطة ومصادر الثروة. ثم إن من استراتيجية عملها نسج علاقات منفعية ومصلحية مع بعض أعضاء المؤسسات المنتخبة بغية التأثير عليهم واستمالتهم إليها، ومع الأجهزة المفترَض فيها الحياد والاستقلالية والنزاهة، كالقضاء، والجامعات، ومراكز البحوث، وبيوت الخبرة، وحتى منظمات المجتمع المدني. وغالباً ما تنتهج سياسة شراء الذمم، وتوزيع الامتيازات المادية وغير المادية، خصوصاً في النظم ناقِصة الديمقراطية أو غير الديمقراطية أصلا.

ثمة العديد من نماذج تفسير ميلاد «الدولة العميقة»، وديمومتها، واستمرارها متحكمة في صنع السياسات واتخاذ القرارات. فمنها من يُرجع مولِد «الدولة العميقة» وترسخها إلى طبيعة النظام السياسي. ففي البلدان ذات الثقافة السياسية الواطئة، وغير الديمقراطية، حيث تكون الدولة قهريةً، يقع تنميط وعي الناس، وترويضهم على قبول الخضوع (soumission)، وبث روح الخنوع في نفوسهم، وإقناعهم بالإغراء والتخويف على قبول وجود «دولة عميقة» تضمن استقرارهم، وتحافظ على أمنهم، وعيشهم المشترك، وأن انفراط عقد هذه الدولة يُعرضهم إلى التفكك والفتنة، ويُقطِّع حبلَ استقرارهم وأمانهم.. ولدينا من الأدلة ما يكفي لتأكيد حضور هذا النموذج المفسر لاستمرار استحكام «الدولة العميقة» في العديد من بلادنا العربية.

إلى جانب هذا النمط من التفسير لحضور الدولة العميقة، هناك نموذج آخر، يُوظف مقولة وجود مؤامرة مُحاكة ضد البلد، وأن التصدي لها يستوجب وجود مثل هذه القوة الخفية، غير المنتخبة، ولا المدعومة بتصويت المواطنين؛ لأنها القادرة على المحافظة على كيان البلاد واستقرارها واستمرارها، والمؤامرة هنا قد يكون مصدرها داخليا أو خارجيا، أو هما معاً..

والحال، أن كثيرا من نظمنا العربية استثمرت هذا النمط من الادعاء، وأطلقت أياديها لإخضاع العباد والتحكم في خيرات البلاد. ويمكننا إضافة نمط ثالث للتفسير، يُشدد أصحابه على ضرورة التسليم بـ»الدولة العميقة»، وقبول استمرارها؛ لأن ثمة فئات مجتمعية في حاجة إليها لرعاية مصالحها، وهي فئات تنتمي إلى المنظومة الأكثر تأثيرا ونفوذا في المجتمع، كما هو حال مؤسسة الجيش على سبيل المثال، حيث لا يتمتع أعضاؤها بامتيازات فحسب، بل لهم نصيب وازن ومهم وحاسم في النسيج الاقتصادي للبلاد، ولدينا مرة أخرى أمثلة في بعض البلدان العربية.

وماذا بعد؟ هل يصلح مفهوم «الدولة العميقة» أن يكون نموذجا إرشاديا (paradigm) للتفسير؟ أم أنه - كما ألمحنا في عنوان هذا العمود - مفهوم ملتبس، غامض، وربما مُضلّل من الناحية العلمية والمعرفية؟
لن نستطيع الإجابة بلغة قطعية عن هذا السؤال وغيره من الأسئلة حول هوية «الدولة العميقة»، ومدى صلاحيتها العلمية لأن تكون مفهوماً لتفسير ما جرى ويجري في البلاد العربية، لكن قطعا هناك قوى خفية، غير ظاهرة في السطح، تربطها شبكات مصالح ومنافع، ومتغلغلة في نسيج المؤسسات والمجتمع، ولها تأثير بالغ في صنع السياسات واتخاذ القرارات، بما فيها القرارات المصيرية، وأنه مع ضعف الثقافة السياسية الديمقراطية، القادرة على تمكين الناس عبر مؤسساتهم المنتخبة من المشاركة الفعلية والمسؤولة، أصبحت الدولة العميقة شبه دولة داخل الدولة، بل إن أي أفق حقيقي للتغيير نحو الأفضل، مرتهن بمدى النجاح في إخضاع الجميع لسلطان القانون وحكم المؤسسات.

لذلك، يحتاج مفهوم «الدولة العميقة» إلى تضافر الجهود العلمية والبحثية من أجل إعادة بنائه، كي يكتسب قدرا معقولا من الاستقامة العلمية، والنجاعة التفسيرية، وهذه مهمة الأكاديميين، وعلماء الاجتماع والسياسة، ومراكز البحوث، حتى نستطيع إخراجه من دائرة الاستعمال غير المضبوط، والتوظيف الضَّار وغير السليم. كما أننا في حاجة ماسة في بلادنا العربية لأن نتحرر من هاجس المؤامرة، وإرجاع كل ما آلت إليه أوضاعنا إلى فعل المؤامرة.. وبذلك ننزع عن «الدولة العميقة» تهمة المؤامرة، وننظر إليها من زاوية المصلحة، وتنازع أطرافها وتصارعها ليس إلا.

نقلاً عن موقع «عربي 21»