بقلم : سامي كمال الدين - إعلامي مصري ..
أتاح لي القدر الكثير من الأماني، ومنحتني الأيام لقاءات مع من التهمت كتبهم في طفولتي وصباي، ومن هؤلاء الأديب العالمي نجيب محفوظ.

في سنتي الدراسية الثانية بالجامعة قررت أن أحاور نجيب محفوظ، هكذا وبقرار واحد دون رجعة، ما زلت أذكر الموعد الذي حدده لي السابعة والنصف مساء، في أحد أيام الثلاثاء من عام 1998، وما زلت أذكر كيف التقاني محمد سلماوي في مدخل باب العمارة التي يقطنها محفوظ في العجوزة 172 شارع النيل، بجوار مطعم نعمة، وما زلت أذكر أيضاً كيف نظر لي سلماوي بازدراء ودهشة من هذا الـ «عيل» الذي جاء ليقابل نجيب محفوظ، خاصة أنه كان مقلاً جداً في أحاديثه الصحفية في ذلك الوقت.. وأذكرني بشموخي وأنا أرد عليه بـ « لماضة»: أنا سامي كمال الدين صحفي وأديب، جئت لأحاور الأستاذ نجيب.. وذكرني الموقف بآخر شبيه مع عمر الشريف، ربما نعرج عليه ذات يوم.

نظر لزميلي المصور، الذي لفت نظره من البداية، وجعله يوقفنا، وسألنا عن المكان الذي سينشر فيه الحوار.

- جريدة الراية.. أجبته
- القطرية ؟ سألني

- لا.. الراية المصرية تصدر من شارع نخلة المطيعي في مصر الجديدة !.
- لم يكن في الأمر مزحة، لكن فعلاً كانت هناك جريدة تُسمى الراية، يترأس تحريرها الصحفي الكبير ماجد عطية، وكان أغلب محرريها من الإخوة المسيحيين تقريباً ما عدا أنا، وتقريباً أقصد بها المسيحية، وليس أنا..!

تركنا سلماوي، وما زال وجهه يحمل اندهاشته، ودلفت إلى شقة الأستاذ نجيب، ضربت الجرس، بعد دقيقتين فتح الباب، ويا للمشهد.. نجيب محفوظ، وقد بلغ من العمر عتياً، يتوكأ على زوجته، ليفتح لي الباب بنفسه، وكأنه لا يدري من هو!

كان هذا هو واحد من أهم الدروس التي تعلمتها في حياتي المهنية، وهو أنه مهما كان قدرك أو مكانتك، فتحليك بالتواضع وتقدير الناس، يزيد كثيراً من هذه المكانة، ويمنحك تقديراً فوق تخيلك. فقد كان بالإمكان أن تفتح لنا زوجته الباب، وتستقبلنا، ويستقبلنا هو داخل صالونه مثلاً.

بيد مرتعشة سلم علي، وزميلي المصور، وأفسح لنا المجال لنجلس بجواره، في لقاء عذب تكرر معي بعد ذلك عدة مرات.

آلمني أن أرفع صوتي طارحاً عليه أسئلتي، بسبب ضعف حاسة السمع لديه، وآلمني أكثر ارتعاش عينيه من فلاش الكاميرا، مما دعا لإلغاء الفلاش فوراً.

رغم تقدمه في السن وآلام الشيخوخة التي ظهرت عليه، إلا أنه كان حاضر البديهة، لم تغب عنه ذكرياته ولا رواياته، ولا حتى الأعمال السينمائية التي كتب لها السيناريو، لكن صراحته كانت أكثر من مراحل عمره السابقة، وحزن كثيراً حين سألته عن السر بأن العديد من رواياته أبطالها غانيات، مؤكداً على أن السينما هي من أظهرت ذلك، لكن « أبطال أعمالي من كل فئات المجتمع وطوائفه»، وسألته هل رواية الطريق كان يبحث بطلها عن الله، وكتب بعض النقاد الكثير من المقالات حول مغزى الرواية وسيد سيد الرحيمي الذي ظل ابنه يبحث عنه عمره كله، وتورط في جريمة قتل صاحب البنسيون، زوج عشيقته، أثناء رحلة بحثه عن والده، وقد لعب الدور باقتدار سينمائياً رشدي أباظة ومعه شادية وسعاد حسني وتحية كاريوكا فأجابني: كان يبحث عن الحق.. عن العدل.

وأتذكر سؤالي له عن معركة يوسف إدريس حول جائزة نوبل، حيث دارت معركة كبيرة عقب فوز محفوظ بجائزة نوبل، إذ صرح يوسف إدريس بأنه الأحق من نجيب محفوظ بالجائزة، وتردد أن محفوظ حصل عليها بسبب تأييده للسلام مع إسرائيل.

قبل إعلان فوز محفوظ بالجائزة، أحدهم اتصل بيوسف إدريس وأخبره بأنه حصل على جائزة نوبل - ويوسف إدريس قامة أدبية سامقة ويستحقها بالفعل- لكن نجيب محفوظ أيضاً يستحق بأعماله المتعددة نوبل وما هو أعلى من نوبل إن وجد.. وأظن أن تصريح إدريس يعود إلى غضب الفنان داخله.. علق محفوظ على سؤالي: وهل أنا منعته أو حلت بينه وبين نوبل، هو أو غيره، لا أنا منعت ولا منحت نفسي الجائزة.

عاش نجيب محفوظ حياة الكتابة بانتظام، وربما أصدق ما كتب حول حياته كتابين، الأول وهو الأهم بالطبع كتاب الناقد الكبير رجاء النقاش الصادر عن مركز الأهرام للترجمة « نجيب محفوظ أضواء على مذكراته وحياته»، والكتاب الثاني الصادر عن دار الشروق للكاتب الكبير محمد سلماوي « نجيب محفوظ.. المحطة الأخيرة، وكلاهما اقترب من نجيب بشكل كبير، فكتاب النقاش جاء بعد 50 ساعة مسجلة مع محفوظ، وسلماوي هو من اختاره نجيب محفوظ، ليتسلم جائزة نوبل، ويلقي كلمته نيابة عنه في حفل الأكاديمية السويدية.. واختاره أيضاً ليملي عليه يومياته التي كانت تنشرها صحيفة الأهرام لسنوات.

يصف سلماوي انتظام محفوظ في الكتابة بقوله: « هذه النظامية التي ميزت أسلوب حياة محفوظ كانت هي سبب ثرائه الإبداعي وغزارة عطائه، وكأنه موظف عند الكتابة، حيث قال لي: «أجلس في الصباح الباكر إلى مكتبي في البيت وأنتظر الأفكار وكأنني أروضها على موعد منتظم معها حتى وإن لم تواتني الفكرة أظل جاثماً على مكتبي ولأنني موظف عند الكتابة فليس من المعقول أن يذهب موظف إلى عمله فإذا لم يجد أي مسؤوليات يهم بالانصراف في الحال وأنا أروض «الوحي» وفق هذه النظامية وكثيراً ما كتبت قصصاً كاملة، أو لم أكتب حرفاً، لكني في جميع الأحوال لم أنهض من على المكتب إلا وقت الانصراف».

والمدهش أن من قدم نجيب محفوظ نقدياً وقدمه للعالم هو أنور المعداوي وقبله سيد قطب الذي وصفه نجيب محفوظ بأنه» عاش حياتين ومات ميتتين».. فما سر هذا الوصف وما حكايته معه؟
نواصل


@samykamaleldeen