أرمسترونج وزوجته في توتر دائم لأنه سيواصل البرنامج ولو كان فيه نهايته

حياة رائد الفضاء تختلط فيها الشجاعة المبهرة بالمأساة والفوز

واشنطن - بي بي سي: يؤدي رايان جوزلينج دور البطولة في فيلم جديد عن قصة حياة رائد الفضاء الأمريكي، نيل أرمسترونج، الذي عرض في افتتاح مهرجان البندقية السينمائي 2018.

قصة حياة نيل أرمسترونج، أول إنسان يطأ سطح القمر، تختلط فيها الشجاعة المبهرة، بالمأساة، وبالفوز ما يجعلها بالطبع مرشحة لأن تكون مادة خصبة لفيلم من أفلام المدرسة التقليدية لهوليوود، من خطب آسرة، وموسيقى قوية وأفكار نبيلة، ولكن الفيلم، الذي حمل اسم “الإنسان الأول”، لم يسر على شاكلة تلك الأفلام.

فالفيلم من إخراج دميان شازيل (مخرج لا لا لاند) وسيناريو جوش سينجر (سبوت لايت) اعتمد البساطة كصاروخ غايته الإفلات من جاذبية الأرض بالتخلص من كل ثقل غير مطلوب. فالحوار عند حده الأدنى، ولا مكان لخلفية تشرح مجريات الفيلم، فيما اكتفى الفيلم بالشخصيات الأساسية، حتى الرائد باز ألدرين (أدى دوره كوري سترول) الذي خطا إلى جانب أرمسترونج خطواتهما الأولى على القمر بالكاد يظهر في الفيلم، ومايك كولينز (لوكاس هاس) الذي قاد المركبة المدارية لا يكاد يظهر إطلاقاً.

ولا يأتي الفيلم على ذكر بطولات أرمسترونج خلال الحرب الكورية، أما الخلفية السياسية لسباق الفضاء التي دفعت ببرنامج أبولو للمقدمة فتظل مجرد خلفية، ومع اقتضاب الفيلم، يجذب “الإنسان الأول” المشاهد بقوة لاعتماده على دراسة متأنية جعلته واقعياً للغاية، بل ويبهر المشاهد ويؤجّج مشاعره لدرجة البكاء.

الفيلم مقتضب كاقتضاب أرمسترونج نفسه، يؤدّيه رايان جوزلين، أبرع الممثلين جموداً على الساحة، والمناسب تماماً للتعبير عن الرائد الطيار متقد الذكاء والمهارة الضابط لمشاعره لأبعد حد، سواء بينما يتأرجح في الهواء على متن طائرته، أو في مطبخ بيته، والذي حين يتحدث إلى صغاره يبدو كمن يدلي بمؤتمر صحفي، وحين يتحدث بمؤتمر صحفي يبدو كمن يقاوم الاستجواب على أيدي مخابرات العدو.

وأرمسترونج زوج يشاطر زوجته جانيت حياة هانئة (تؤدي دورها كلير فوي - وهي ممثلة أخرى تعبر بنظرة واحدة حادة أكثر من أغلب الممثلين ولو أفردت لهم ثلاث صفحات حوارية) ولا تعتمد سعادتهما على فرط التعبير أو الكلام، بل يقضيان جل أوقاتهما داخل منشآت تابعة لوكالة الفضاء والطيران الأمريكية.

وربما هذا الثبات الأقرب إلى الجمود هو تماماً ما جعل أرمسترونج الأنجح لمهمة استكشاف القمر.

والفيلم يتتبع رائده في فترة الستينيات من القرن الماضي، خلال برنامج “جيميناي” المكلف بوضع مركبتي فضاء في مداريهما، وحتى برنامج أبولو الهادف للوصول إلى القمر، معبراً بزخم هائل عن الضغط والخطورة المتمثلة في اختبار مركبة هي الأولى من نوعها.

يزج بالرواد في مساحات ضيقة تحيط بهم مسطحات معدنية حادة تربطهم إلى مقاعدهم أحزمة أمان أشبه بالتي يتعرض لها ركاب طائرات الرحلات الرخيصة، ولا يكاد يظهر الفيلم الرؤية الكاملة لداخل طائرة أو صاروخ، بل يركز المخرج على مشاطرة المشاهِد قمرة القيادة إلى جوار أرمسترونج وهو ينطلق بين السحاب.

ويؤثر المصور لايناس ساندجرين المشاهد شديدة القرب حتى ترى تجاعيد الوجه وتفاصيله، أما مسؤول الصوت آي- لينج لي فيحبذ الانتقال المفاجئ من الصمت إلى الصخب، ما يعزّز التوتر حتى تبدو أكثر الرحلات اعتياداً كالوجود داخل أحد أدراج خزانة مكتب تتهاوى فوق منحدر جبلي، بينما يعصف الرعد بالخارج!

تلك الرحلات التجريبية ليست مزعجة فحسب بل تؤدي أحياناً إلى الوفاة، والفيلم يشهد جنازتين بينما نعلم أن عدة جنازات أخرى جرت خارج المشهد وكأنه يحذر المشاهد ألا يتعلق بأي من الشخصيات حتى لا يصدم لفقدها فجأة.

وحينما يصل برنامج أبولو إلى مرحلة الإقدام على الهبوط على سطح القمر، يقع الاختيار على أرمسترونج كقائد ليس فقط لرباطة جأشه وصواب قراراته، بل أيضاً لأنه لم يبق على قيد الحياة كثيرون من الرواد المتمكنين.

ويدرك المشاهد مدى فداحة تلك التضحيات وهي التضحيات التي يمر بها الفيلم مرور الكرام، وكذلك يفعل أرمسترونج.

وربما ظن المشاهد أنه كان أحرى بالفيلم أن يفسح المجال للمشاعر الفياضة مع كل مأساة، لكن “الإنسان الأول” يهرع بين الحدث والآخر بسرعة فائقة وتركيز بالغ.

ورغم أن الفيلم لا يقف طويلا أمام المجازفات التي يتخذها أرمسترونج، يبقي تسلسل الأحداث المشاهد في توتر شبه دائم.

ويظهر أرمسترونج وزوجته في توتر دائم أيضاً، فهما يدركان أنه سيواصل البرنامج ولو كان في ذلك نهايته، وهو إدراك ضمني دون أن يتفوه أحدهما بكلمة في هذا الصدد.

فسنوات من الجسارة ومجابهة الصعاب خلف الكواليس جديرة بتحريك المشاعر أكثر من مشاهد الشد والجذب والدموع والبكاء والمصالحة بين الزوجين، والتي كان يمكن أن تتخلل مشاهد مختلفة من الفيلم.

وفي الأغلب لن يحظى جوزلينج ولا فوي بجوائز عن أدائهما المميز في “الإنسان الأول” لأن الأداء لا يعتمد على الإبهار، ولكنه أداء جدير في جوهره بأي جائزة لبراعته الفائقة في الإطار الذي وضع فيه، وما ينطبق على أداء البطلين ينطبق أيضاً على الفيلم ككل، كونه عملاً فنياً من الطراز الأوّل.