أنا فتاة عمري ١٩ عاماً.. المشكلة التي سأحكيها لك هي نظرة الشكّ الدائمة في عيون أفراد أسرتي.. فهم لا يثقون بي على الإطلاق.. ويعتقدون أنني عرضة للانحراف، وكلما رأت أمّي فتاة طائشة اعتقدت أنني مثلها.. وعلى هذا الأساس تعاملني.. بالإضافة إلى ذلك فهي تفتش أدراجي.. وتتلصص على دفتر مذكراتي.. فمصيبتي أيضاً أنني لا أستطيع أن أعجب والدتي مهما فعلت.. وكلما حاولت كسب رضاها تحول تصرفي إلى مبرر للتوجيه والانتقادات الحادة إلي.. وربما كانت قادرة في أن تراني أفضل مما أنا عليه.. ولكنني لا أفهم مطلقاً لماذا لا تتحول انتقاداتها إلى نصائح.. تنتقدني حتى أمام صديقاتي.. ما يزعجها كوني أميل إلى المرح وخفة الدم رغم كل البراءة في ذلك دون تجاوز الحدود.. وأحياناً ترفض مشاركتي في حديث ما يدور أمامي.. حتى الثياب التي أرتديها لا تعجبها وغالباً ما ترفضها.. وتعتبر أنني لا أحسن اختيار أي شيء.. في مثل هذا الجو من عدم التفاهم أصبح من الطبيعي أن ألتزم الصمت طيلة اليوم.. شاردة في عالمي الخاص بسبب تعاملها معي واتباعها الدائم أسلوب الانتقاد والسخرية مني إذا ما تحدثت إلي أو عني.. لقد مللت أسلوبها.. وبت أتحاشى الحديث إليها.. والوضع الآن أنني في وادٍ وأمي في وادٍ آخر.. الخيوط بيننا مقطوعة والطرق مغلقة حتى إشعار آخر.. إن هذا الوضع أفضل من التحاور معها فهي لا تجيد المحافظة على قواعد لعبة الأم والبنت..

أريد من فضلك أن توجهي رسالة للأمهات في كيفية التعامل مع بناتهن.. وبالأخص أن توجهي رسالة إلى أمي.. فهي من قارئات هذه الصفحة.

ل.ع.أ

>>> 

نعم.. سأوجه الكلام في هذا المقام إلى أمك وغيرها من الأمهات ممن يقرأن هذه الصفحة.. أقول.. عندما تنقطع خطوط التواصل والحوار بين الآباء والأبناء.. وتسود حالة من الخرس العائلي في أرجاء المنزل يصبح الباب مفتوحاً على أكثر الاحتمالات خطورة.. هذا ما يؤكده علماء النفس محذرين ما يمكن أن نسميه المظاهر الأولية لانحراف الأبناء.. ونحن نلقي بالمسؤولية في انصراف الأبناء عن آبائهم.. فهم يريدون أن يروا ابناً مطيعاً لا رأي له.. ولا شخصية مستقلة.. وهم يدربونه على ذلك منذ الطفولة.. إذ يمنعونه من إبداء رأيه في أي أمر.. ويرفضون كل ما يتيح له التعبير عن نفسه أو عن شخصيته أمامهم.. خاصة في العلاقة بين الأم وابنتها .. ونتيجة لذلك لا تستطيع الفتاة إبداء رأيها في أي موضوع.. ولو بدر عنها رأي أو تصرف فستقابل بالتأنيب واللوم.. هذا هو ما يدفع الفتاة إلى التكتم على مشكلاتها وإخفاء إسرارها بعيداً عن المنزل..

فإن الأمر يصبح أكثر خطورة عندما تكون العلاقة غير واضحة بين البنت والأم.. لأن احتمالات الانحراف تكون أكبر من تلك التي يواجهها الأبناء الذكور.

المشكلة أن الوالدين يعطيان النصيحة للأبناء من منطلق ثقافتهما والبيئة التي نشآ فيها.. ولا يدركان أن الأبناء نشأوا في عصر مختلف تماماً.. ويتطلب بالتالي طرقاً مختلفة في التعامل والتوجيه والنصح.. لكن بعض الآباء والأمهات لا يفهمون إطلاقاً ولا يكلفون أنفسهم عناء الاقتراب وتفهم احتياجات أبنائهم ومصادقتهم وفهم الظروف الجديدة التي يعيشونها في هذا العصر.. وذلك كان وراء إحجام الكثير من الفتيان والفتيات عن فتح أي حوارات مع ذويهم للاختلاف في الاتجاهات وعدم تفهمهم.. كما أن أسلوب السخرية والإهانة والنقد ومحاصرة الابنة أو الابن بالشكوك والظنون السيئة يفقدهما الرغبة في التحدث إلى والديهما...

إن خطورة صمت الفتاة المراهقة أو الشاب المراهق تمكن في احتمال إخفائهما معتقدات خاطئة أو آراء سلبية من الممكن أن تجرهما لمشكلات عديدة تضر بهما.. لافتقادهما التواصل مع والديهما.. وعدم التفاهم.. والأمر كله يتوقف على الأب أو الأم.. فكم من فتاة أو شاب لديه الاستعداد للمسار الصحيح.. غير أنه لم يجد من يأخذ بيده..

أيتها الأم.. كوني صديقة ورفيقة لابنتك.. حاوريها.. ناقشيها.. تحدثي معها.. وتجنبي أساليب النقد واللوم والتقريع.. بل وجهيها وانصحيها وأرشديها برفق ولين..

وتعاملي معها بمنطق جيل عصرها لا جيلك.. فهذا أدعى لها في السير على طريق الصواب.. وكذلك أنت أيها الأب تعامل مع ابنك بنفس تلك الأساليب والمنطق.

كما ينبغي تربية الأبناء على حرية التعبير التي تجعل الابنة أو الابن مسؤولين عن أقوالهما وأفعالهما.. كما يجب تدريبهما على النقد من دون تجريح أو تصفية حسابات.. وكذلك تدريبهما على النقد الذاتي للتصرفات.. مما يتيح له إمكانية الضبط الذاتي لتصرفاتهما الشخصية في كافة المواقف التي يواجهانها.

ولتعلمي أيتها الأم.. ولتعلم أيها الأب أن المراهقة أو المراهق يلوذون بالصمت لشعورهما بأن أبويهما لا يفهمانهما.. وقد يلجآن لإجراءات عقابية تضاعف من نفور الأبناء.. في الوقت الذي يرى المراهق أو المراهقة أنهما شخصيات نضجت وتستحق بعض الاحترام والاستقلالية..

وهنا أتوجه بكلامي للآباء والأمهات أن معاملة الصديق للصديق هي الأفضل لحل أي مشكلة.. كما أنها تدعم ثقة الفتاة بنفسها وثقة الشاب بنفسه.. وتجعلهما قادرين على حل مشكلاتهما بأسلوب سليم.