بقلم- جهاد فاضل:

قال لي صحفي أجنبي مر ببيروت قبل أسابيع عائداً من كردستان العراق إنه لم ير الحقد يوماً على العرب -والعراقيين ضمناً- مجسداً في وجه وعينين، كما رآه في وجه وعيني الملا مسعود البارزاني عندما قابله في أربيل ضمن جولة في المنطقة.

قال إنه لا يستغرب أن يكون لنتنياهو نفس الشعور تجاه العرب المسلمين، ولكنه لم يكن يتصور أن يكون لنتنياهو فرع نشط على هذا النحو في منطقة -شئنا أم أبينا- هي جزء من العراق وبلاد العرب وديار الإسلام ومنها خرج ذات يوم محرر القدس صلاح الدين الأيوبي.

ولم يخطئ هذا الصحفي في عقده صلة بين ما يفترضه في نتنياهو وما وجده في الملا مسعود. فقد حملت الأخبار أن إسرائيل هي الدولة الوحيدة التي اعترفت باستقلال إقليم كردستان، وهذا دليل قاطع على متانة روابط الروح والمصلحة بينهما، وعلى أن ما كان يشاع في السابق عن مثل هذه الروابط كان صحيحاً، وكأن العرب لم تكفهم إسرائيل واحدة، فمنحوا اثنتين.

ولكن الحسابات كثيراً ما يعتورها خلل حتى لدى أمهر الحاسبين، فها هو العرس الكردي العراقي يتحول إلى خيبة مريرة، وحتى «العراب» الأمريكي والأوروبي الذي شجع في السر هذا العرس دون أن يشارك علنا فيه لاذ بالصمت وتظاهر بعدم الاهتمام، مع أن كل القرائن تشير إلى تأييده المطلق للخطوة الكردية العراقية على أمل أن تكون فاتحة لم شمل جميع أكراد المنطقة في دولة واحدة، وبدا ذلك لاحقاً من رابع المستحيلات.

في سيرة أبي العلاء المعري عبارة مشهورة هي «استضعفوك فوصفوك»

وهذا بالفعل هو وضع العراق بالنسبة للأكراد. استضعفوا حكومته المركزية الغارقة في الخَوَر والضَّعف ووثبوا على ما طالت أيمانهم من مدن، وأراضي شمال العراق بما فيها ما يسمى بالمناطق المتنازع عليها، وضموها إلى كردستانهم حتى كركوك التي لا يزيد عدد أكرادها عن أربعين بالمئة من سكانها يعتبرون الحديث عن عروبتها نوعا من الإفك والبهتان فكركوك كردية حتما لأنها تدر عسلاً ولبناً.

ولكن لماذا لا يتمكن أكراد تركيا البالغ عددهم أكثر من 15 مليوناً، ولا أكراد إيران وهم في حدود العشرة ملايين، من أن يرفعوا الصوت مطالبين بكردستانات أخرى لهم على غرار كردستان العراق، من أجل تحقيق حلم الدولة الكردية القومية؟ لسبب بسيط هو أن مصير من يرفع هذا الصوت هو إما المقصلة أو الزنزانة. في تركيا، كما في إيران دولةٌ، في حين أن في العراق مللاً ونحلاً ومذاهب وطوائف وعشائر. ولهذا السبب «وصف» كرد أربيل والسليمانية وما إليهما من القرى والأرياف، العراق استضعافا منهم لشأنه، وهو الذي منحهم حرية الرأي والتفكير وفتح أمامهم كل أبواب المعرفة والثقافة والكرامة لدرجة الوصول إلى رئاسة الجمهورية.

لا أحد ضد مبدأ تقرير الشعوب لمصيرها على أن ترافق الحكمة وحسن التدبير هذا المبدأ. وفي حالة كرد الشرق الأوسط، لا يحل استغلال الجيب الكردي العراقي للمسألة، كما رأينا، فلا بد من الحديث مع أنقرة وطهران، ولكنه حديث ممتنع إلى درجة الاستحالة. وعندما تتضامن أنقرة وطهران وبغداد ضد طموحات الكرد القومية، فلا يبقى في الأفق إلا ما يسمى بالكونفدرالية أو بالحكم المحلي، وهو ما لم يبخل العراقيون يوماً على الكردِ به، وما لم يعثر عليه الكرد يوما لا في إيران ولا في تركيا «فالمواطنية» مفروضة على الجميع فيهما، في حين أن الكرد في العراق مواطنون من درجة ممتازة ومنهم النواب والوزراء والأعيان والوجهاء وصولا إلى رتبة رئاسة الجمهورية.

إن حق تقرير المصير حق تحكمه ضوابط شتى وليس حقا منفلتا من أية قيود. فإذا كان يحق لشعب واقع تحت الاستعمار أو الاحتلال أن يطالب به فلا يجوز لأقلية في بلد أو لأقليات أن تمارسه، وفي أوروبا بالذات، كما في العالم كله، ما لا يحصى من الأقليات القومية أو غير القومية التي تحلم به سراً، ولا تستطيع أن تتحدث جهراً عن حلمها. وعندما يعطي العراق هذا الحق اليوم لكرده، فقد وجه ضربة قاصمة إلى وحدته. فما يدرينا غداً أن هذه الطائفة أو تلك الملة، لن تطالب بما طالب به الكرد وحققوه؟

إن العراق الحالي بحدوده الدولية المعروفة هو العراق التاريخي الذي تقررت شخصيته الوطنية منذ أيام الخليفة عمر بن الخطاب عندما أرسل جيوش الفتح إلى المثلث العراقي البصرة والموصل والعراق الأوسط، وأي مساس اليوم بهذه الشخصية الوطنية للعراق يشكل طعنة موجهة إلى قلبه وإلى مستقبله، ولو كان العراق بعهدة نظام قوي أو رئيس قوي، لما كان الملا مسعود البارزاني حاكم إقليم كردستان يحظى بموطئ قدم له في العراق، تماماً كما كان وضعه (ووضع والده الملا مصطفى) في النصف الثاني من القرن العشرين، ولكان مجرد لاجئ في فيينا حيث ولد، أو في روسيا وأمريكا حيث عاش أو في كردستان فلسطين.

 

كاتب لبناني