بقلم / سليم عزوز - كاتب وصحفي مصري : 

بدا الأمر لافتاً لمن عنده علم من الكتاب، ومن يتابع العلاقات المصرية المغربية منذ وقوع الانقلاب العسكري!

فمصر السيسي، لم تتوقف عند الانحياز للمغرب مؤخراً في التصويت لصالح استضافتها لمباريات كأس العالم 2026، ولكنها بالإضافة إلى هذا تصرفت على نحو له دلالته، ففي اليوم الذي لعب فيه منتخب المغرب، مع نظيره الإيراني، كانت إضاءة «برج القاهرة» أحد المعالم المهمة في المحروسة، تتشكل من علم المغرب، ولا يمكن أن يحسب هذا على أنه نابع من الانتماء العروبي لأهل الحكم في القاهرة، فالشاهد أن العلم السعودي لم يرفع عندما لعبت السعودية مع المنتخب الروسي، كما لم يزيّن العلم التونسي «برج القاهرة» عندما لاعب منتخب «الخضراء» المنتخب الإنجليزي!

ليس بين القاهرة وطهران في العهد الجديد ما يعكر الصفو، وقد رحب أهل الحكم في إيران بالانقلاب العسكري، شماتة في أداء الرئيس محمد مرسي، الذي كان يصد التقرب الإيراني، بشكل كان واضحاً للعيان، ربما خضوعاً لابتزاز حلفائه السلفيين، وربما لأنه يجد في ذلك هوى لدى الجماعة التي ينتمي إليها، فحرص الحكم الإخواني على التقرب من المملكة العربية السعودية من أول يوم، استكمالاً للعلاقات التي كانت تربطها بالرئيس المخلوع، ولكن وكما قال الشاعر: وليس كل من تهواه/ يهواك قلبه!

في بداية الانقلاب، بدا نظام السيسي مستعداً لفتح صفحة جديدة مع طهران، ولو من باب المناورة، وسمح لوفود من المصريين بزيارة طهران، واستقبل وفوداً إيرانية، لكن وإن كان يصلح هذا للمناورة مع الرياض، فإن الأمريكان لا يقبلون في الملف الإيراني فصالاً، وقد رويت من قبل ما قصه عليَّ رئيس حزب الأحرار المعارض الراحل مصطفى كامل مراد، من أنه طلب من مبارك السماح لأحزاب المعارضة بزيارة إيران، وفتح علاقة معها، لكن مبارك أخبره أن ذلك سيغضب الأمريكان. فلما صنع له طريقاً لتجاوز الغضب الأمريكي بأن يقول لهم هذا قرار المعارضة ومصر تأخذ بنظام التعددية الحزبية، وأن هذا لم يتم بموافقته ولا يملك منعه. قال له مبارك وهل تعتقد أن الأمريكان لا يعرفون البئر وغطاه؟!

فما عناه مبارك، أن الأمريكيين لن يسلموا بذلك لأنهم يعرفون أن المعارضة في مصر ليست حرة، وأن سطوة النظام الحاكم تجعل من مثل هذه الزيارات تتم بموافقة النظام إن لم تكن بتحريض منه، وهو أمر لن يقبلوا به!

القصد، أنه وإن توقف الحماس المصري لعلاقات طبيعية مع طهران، فإن النظام الحاكم في القاهرة، ليس في عداء معها، ولو بدرجة عداء مبارك لها، والذي كان مدفوعاً إليه كثيراً بسبب الصداقة التي ربطته بآل سعود، لدرجة أنه عندما كان يفاتح في الخلاف مع السوريين وضرورة رأب الصدع، كان يطلب بمراجعة السعوديين، وفي المرات القليلة التي صافح فيها الأسد كان بتدخل سعودي، ولم يكن بإرادته الحرة، لكن مبارك كان يؤمن بالنصيحة المصرية الغالية: «لو كان حبيبك عسل فلا تأكله كله»، بيد أن السيسي يريد أن يشارك السعوديين في مقدراتهم، ويقاسمهم في أموالهم، ومن هنا يمكن فهم التقرب من المملكة المغربية الآن، بهذا الشكل المبالغ فيه!

كان المغرب دائماً بعيداً عن العين، وكما قيل إن البعيد عن العين بعيد عن القلب، وبعد الانقلاب ازداد بعداً، لأنه في سعي أهل الحكم الجدد في القاهرة للاقتراب من الجزائر، سواء بغية استيراد الغاز من هناك، أو في تمرير النفوذ المصري في ليبيا، كان هذا على حساب العلاقات مع المغرب!

ولأن القوم متطرفون في حبهم وكرهم، فقد ذهبوا يتبنون الموقف الجزائري كاملاً من قضية الصحراء «البوليساريو»، ويهاجمون الموقف المغربي، ليعرف الرأي العام المصري ربما لأول مرة بهذه القضية الشائكة، لكن من وجهة نظر واحدة «سابقة التعليب»، ولأول مرة تزور الوفود الصحفية الجزائر للكتابة عن قضية الصحراء وتطالب بحق الشعب الصحراوي في تقرير المصير!

الدبلوماسية الجزائرية النشطة، كانت دائماً تستقبل من الصحفيين من يمكن أن يتبنوا هذه القضية، لكن الأمر لم يكن يتعدى عدداً قليلاً من الصحفيين ولم تتخصص في هذه القضية سوى صحفية واحدة، وهي «فاطمة عنان» التي كتبت عن مسألة الصحراويين كثيراً، أما الكتابات الأخرى فكانت على هامش الزيارات، وعندما كتبت أنا عنها لم يهاتفني السفير المغربي في القاهرة، فمن اتصل بي كان هو السفير الجزائري!

وعندما تسافر الوفود الصحفية في زمن سيطرة السلطة على الإعلام، فلابد أن يفهم هذا في سياقه، وهو أن الأمر في حده الأدنى تم بموافقة نظام السيسي وبتشجيع منه، وقد أحدث هذا أزمة في المغرب، وكان لأولي الأمر هناك أن يذهبوا بعيداً في الرد على هذه الانحيازات، ويكفي فقط باستضافة المعارضة المهاجرة في المغرب وفي إعلامه، لكن علاقة المملكة المغربية بالمملكة السعودية لا تسمح بمثل هذا الرد!

ولم يتوقف التحرش السيساوي عند هذا الحد، فكثيراً ما ذُكر المغرب في جملة مفيدة سيئة الأثر، فيجري في الإعلام المصري تمرير كلام للفنان يوسف شعبان، بأن حسن البنا أصله يهودي، ولأنه كذلك فلابد أن يكون من المغرب، فهو البلد العربي الذي يسيطر عليه اليهود، مستغلاً خلط العوام بين اليهودية كديانة وبين الصهيونية كجريمة، لاحظ أن القوم ينالون من الشيخ يوسف القرضاوي بالترويج للقاء جمعه مع بعض أحبار اليهود، المعادين للصهيونية، كما لو كان لقاء بينه وبين نتنياهو!

وبلغ التحرش مداه بهجوم الإعلامية القريبة من العسكر «أماني الخياط» على المغرب بدون مبرر موضوعي، ووصف اقتصاده بأنه يقوم على الدعارة، وعندما قام نجيب ساويرس مالك القناة بطردها لأسباب تخصه، مكنها أهل الحكم من الاستمرار عبر قناة «الحياة»، الفناء الخلفي للتلفزيون المصري، والمملوكة للإمارات إلى أن جرد السيسي «ساويرس» من قناته، واشترتها الأجهزة الأمنية لتعود إليها «الخياط» منتصرة، على نحو كاشف بأنها عندما هاجمت المغرب إنما كانت في «مهمة رسمية»!

والحال كذلك، فعندما يندفع النظام الحاكم في مصر، من النقيض إلى النقيض، ومن «جر شكل» المغرب، إلى التقرب إليه بالنوافل، فلابد للمسألة أن يكون وراءها «إن»، وربما «إن وأخواتها»!

فالسعودية أعلنت أن موقفها من التصويت في كأس العالم مع واشنطن، وعندما تخالف مصر السيسي الموقف السعودي فتصوت لصالح المغرب فإن الأمر كاشف عن أن النفوس فيها ما فيها!

وعندما يجد المغاربة في هزيمة المنتخب السعودي فرصة للانتقام عبر مواقع التواصل، فيرد عليهم السعوديون بالتي هي أسوأ بعد هزيمة المنتخب المغربي أمام إيران، وفي هذه الأثناء يتدخل نظام السيسي فيبالغ في انحيازه للمغرب، فالموضوع لا يمكن هضمه!

إن إلغاء قناة كانت ستطلقها السعودية من القاهرة لمخاطبة المصريين، وانسحاب المندوب السعودي بالقاهرة تركي آل الشيخ من المجال الكروي، كاشف أيضاً عن ذلك، فالموضوع يتجاوز مجرد الخلاف مع رئيس النادي الأهلي «محمود الخطيب»!

إنها أزمة تتكرر كلما توقف الرز، فمن قبل استقبل نظام السيسي وفداً من الحوثيين في القاهرة، لتأتي دفعة من الرز، فلما توقف، كان الهجوم على المملكة من قبل الأذرع الإعلامية للانقلاب، ثم توقف الهجوم عند وصول «المعلوم». فمن يقدر على تلبية طلبات نظام لا يشبع أبداً؟! وقديماً قيل: «خذ من التل يختل» فلم يعد لدى القوم رز بـ «الهبل» كما قال سكرتير السيسي.

فقد سبقه ترامب، حيث يفوز باللذات كل مغامر.

 

azouz1966@gmail.com