ترجمة - كريم المالكي:

قبل أيام كان الأيرلندي كونور ماكجريجور، الذي عمل سباكا في شبابه، في قلب أحد أكثر الأحداث الرياضية استثنائية فقد اشترك في نزال أطلق عليه نزال القرن، ورغم أنه بطل في الوزن الخفيف في اتحاد الفنون القتالية المختلطة UFC وليس الملاكمة، لم يتردد ماكجريجور، 29 عاماً في مواجهة أسطورة الملاكمة بالوزن الثقيل والعائد من الاعتزال صاحب السجل الخالي من الهزائم، فلويد مايويذر.

لقد كان خصم ماكجريجور واحداً من عظماء الملاكمة، مع أن عمره أثناء خوضه النزال كان 40 عاماً. وكان نزالهما هو الأول من نوعه يجمع أسطورتين في لعبتين مختلفتين، داخل حلبة واحدة فقط. وقد ذكرت مصادر مطلعة قبل المواجهة أن القيمة المادية للنزال قد بلغت 400 مليون استرليني وبالتالي فإنه الأغلى في التاريخ، ويعتقد أن مايويذر، حصل على مبلغ 230 مليون دولار، بينما حصل ماكجريجور رغم خسارته على 100 مليون دولار، نظير مشاركتهما في النزال.

وتوقع البعض لماكجريجور، الذي عادة ما يتنافس حافي القدمين في قفص ويعتمد على الركل وكذلك اللكم، بأن لا تتاح له فرصة لفظ أنفاسه الأخيرة لكنه مع ذلك أصر على النزال الذي أقيم وفقاً لقواعد رياضة الملاكمة. وقد وضع أحد المراقبين مقاربة حول النزال واعتبره أشبه بمعركة بين سمك القرش ونمر لكنها تجري على الأرض.

طفولة صعبة

ولد ماكجريجور في كرملين، وهي ضاحية تقطنها الطبقة العاملة في جنوب دبلن، في عام 1988. وتعد منطقة عنف، فلديها معدلات جريمة عالية وكانت ساحة قتال لنزاعات بين العصابات المتنافسة الموجودة فيها. وكثيرا ما شهدت إراقة دماء، وفي الآونة الأخيرة ارتكبت 16 جريمة اغتيال مرتبطة بتلك العصابات. ومع ذلك نشأ كونور، ابن توني ومارغريت ماكجريجور، في بيئة مستقرة. وكان حجم ماكجريجور صغيرا للغاية ونحيفا ما جعله هدفا سهلا للعديد من المضايقات. وقد تعرض بطفولته للضرب المتواصل والمضايقات المستمرة ما دفعه لتعلم الفنون القتالية للدفاع عن نفسه. ومثل الكثير من أولاد الحي، تعلم كيفية الاعتناء بنفسه من خلال الانضمام إلى نادي الملاكمة المحلي. وبعد إتقان فنون القتال، بكل تأكيد لم يعد يتعرض لتلك المضايقات، بل أصبح يعطي بعض المحاضرات ويحضر بعض الندوات بخصوص كيفية تقليل المضايقات و «البلطجة» في المدارس.

حلم وبطولات

وانتهى به الأمر إلى أن أصبح بطلا في بطولة عموم أيرلندا، وتمكن بسهولة من اتخاذ الملاكمة مهنة له وانخرط في لعبة فنون القتال المختلطة، التي نشأت في الأساس في الولايات المتحدة. وكما يوحي اسمها، فهي مزيج من الألعاب الرياضية القتالية وغير التقليدية. وأخذ ماكجريجور، الذي لديه شقيقتان، يحلم بالذهاب إلى الولايات ليصبح لاعباً مقاتلاً في الأقفاص ولكن والده كان حريصا عليه وأراده أن يذهب إلى الكلية. ولأن الحي الذي يسكناه كانت تندلع به مشاجرات عنيفة انتقل والده توني، الذي كان يعمل سائق سيارة أجرة، بعد ذلك وعائلته إلى ضاحية لوكان الأكثر هدوء، بحيث أصبحت ممارسة القتالات الحرة في الشارع أمراً مستبعداً.

حول الدراسة والسباكة

ومع أن كونور كان ذكياً لكنه ليس لديه أي اهتمام بإكمال تعليمه، لذلك أقنعه والده للبدء بتعلم السباكة التي كان يكرهها. ويقول كونور: لم يكن لدي أي حب للسباكة، ولكن الغريب هو أن المجتمع يسير بهذا الشكل، فبدلا من السماح لك بأخذ الوقت الكافي لتعمل على الشيء الذي تحبه ويمكن متابعته بقناعة تامة كانوا يقولون لي: يجب أن تعمل سباكاً سواء أحببت ذلك أم لا.

ويضيف: كنت أتطلع من حولي وأنظر إلى الأشخاص المؤهلين تأهيلاً كاملاً لكنهم لديهم ظهور سيئ وأدركت بأنني لا أريد أن اذهب في هذا الاتجاه لقناعتي وإيماني بأنني يمكنني أن أفعل شيئا في حياتي. وظل يعمل سباكاً لمدة 18 شهراً لكنه رفض أخيرا الذهاب إلى العمل، وقال لوالديه: انظروا، فكرة أن أكون سباكاً ليست لي. وبعد ذلك استطاع أن يثبت ذلك، فقد أصبح ماكجريجور ذلك البطل الذي يملك الملايين من نزالاته التي يفوز بها.

الانعطافة الكبيرة

يتذكر تلك الأيام في دبلن عندما كان يكافح ليثبت نفسه. ويقول: لا أنسى أبداً من أين جئت، لا أنسى أبداً تلك الأوقات الصعبة. نعم تحيطني الآن تلك الفخامة والرفاهية، ولكنها بنيت بالتضحية. وقد أصبح السباك أول مقاتل في تاريخ اللعبة ينضم إلى قائمة أثرى الشخصيات الرياضية وذلك عام 2016.

في الثامنة عشرة حقق أول انتصار في نزال قتالي للهواة في مدينته، وفورا حصل على الدعم من الادارة المحلية للمدينة. وفي العام التالي، 2008، فاز بأول نزال من أجل المال في فئة خفيف الوزن وعلى مدى السنوات القليلة اعتبر واحد من ألمع ابطال اللعبة. وجاءت الانعطافة الكبيرة في عام 2013 عندما زار رئيس اتحاد بطولة الألعاب القتالية المختلطة دبلن وحثه المشجعون لإلقاء نظرة على ماكجريجور والذي أعجب به واحتضنه مباشرة.

رحلة الألقاب

بدأ ماكجريجور، بالمشاركة في نزالات حول العالم وسرعان ما أصبح المفضل بقوة لمهارته وأسلوبه الهجومي إلى أن أصبح «الرقم واحد والمهيمن»، وبطل مزدوج لفوزه في ثلاثة أوزان. وكان أسرع انتصار في تاريخ اتحاد الفنون القتالية من نصيبه، عندما توج بلقب الوزن الخفيف في 2015 بمدة 13 ثانية فقط من الجولة الأولى ولم يكن هذا أسرع انتصار في تاريخه، بل ثاني أسرع انتصار لأن أسرع انتصار استغرق 5 ثوان فقط، حيث فاز في أبريل 2011 بالنزال أمام بادي دوهيرتي بعد مرور 5 ثوان فقط.

ويقول ماكجريجور، الذي يعترف بأن هناك قليلا من الوقت في حياته لأي شيء آخر غير لعبته المفضلة وأسرته، للقيام بأي شيء على مستوى عال يجب أن تكون مهوسا به بشكل مطلق، لذا تجدني استيقظ، والقتال في رأسي، وأذهب إلى النوم وهو في رأسي. ولدى كونور ابن اسمه جاك، عمره سنة. يقول ماكجريجور عن زوجته الطبيبة التي تخلت عن العمل كطبيبة قلب لتكون جزءا من الفريق المرافق له، لولاها لما أصبحت ما أنا عليه اليوم.

زوجة داعمة

ويقول ماكجريجور: عشنا في شقة مستأجرة بأبشع الأحياء، وكنت لا أملك وظيفة لأنني أقضى كل وقتي فى الصالة الرياضية بسبب ذلك الحلم الذي راودني منذ طفولتي، وهو أن أصبح بطلًا ذات يوم وعندما لم يؤمن بي أحد، فقط آمنت بي زوجتي ديى ديفلين».

وأكمل أنه رغم من عدم وجود المال، كانت زوجته تذهب إلى العمل وتوفر الطعام والمكملات الغذائية، بعدما كانت تحرم نفسها من شراء الثياب، لتوفر المال الكافي، حتى أصبحت البطل العالمي كونر، أحد أهم أبطال القفص الدموي في القتال.

وكنا نعيش فقط على إعانات البطالة التي لا تتجاوز حفنة دولارات، لتقوم زوجتي باستغلالها بالطريقة الأمثل، حتى تكفي احتياجات ـ ولا يشعرني بالحرج، حتى أتفرغ للتدريب وحلمي فقط. وأكدت زوجته كلامه، وأعربت عن فخرها به لتحقيق حلمه، وأنه دومًا يشكرها أمام العالم على دعمها المستمر ووقوفها بجانبه في الأيام الصعبة.

عن صحيفة الديلي إكسبريس البريطانية