بقلم - سليم عزوز:

لو كانت الدرجات العلمية تسحب ممن يحملونها لافتقادهم المبرر العلمي للاحتفاظ بها، لسُحبت درجتا «الدكتوراة» و «الماجستير»، من «يوسف زيدان»، بعد تهجمه على الزعيم المصري «أحمد عرابي»، بدون اتباع المنهج العلمي، منضماً بذلك للجوقة الجاهلة التي تمثل أذرعاً إعلامية للانقلاب العسكري. ومنح درجة الدكتوراة يعني اعترافاً من لجنة المناقشة، بأهلية الممنوحة له للبحث العلمي، فعندما يهبط حامل الدرجات العلمية إلى مستوى «لميس الحديدي»، فإن السحب لا ينبغي أن يتوقف عند «الماجستير» و «الدكتوراه»، وإنما يجوز أن يصل إلى «شهادة الميلاد» !

فلا يجوز ابتذال العلم، إلى حد أن يُستخدم من حصل على لقب «باحث»، من قبل السلطة الحاكمة في أعمال الإثارة والإلهاء، وبتسفيه الزعامات القومية والوطنية، ومن أول «صلاح الدين الأيوبي» إلى «أحمد عرابي»، بعيداً عن ضوابط البحث العلمي، ليقترب من طريقة بلطجية الحارات، عندما يصف «عرابي» بأنه «فأر». فإذا كان «فأراً» فقد كنت أتمنى أن تمتد أوصافه إلى المرحلة الحالية، ليقل لنا بما يوصف عبد الفتاح السيسي؟.. هل هو الأسد الهصور؟!

إذا أحسنّا الظن بالمذكور «يوسف زيدان»، يجوز لنا القول إنه واقع تحت تأثير ما قلته سابقاً في وصف الراحل «جمال البنا»، من أنه ضحية «غواية القراء»، لمن لم يحصلوا على الشهرة بالتراكم، ولكن بضربة حظ، بعد أن اشتعل الرأس شيباً، وضحاياها ينتابهم خوف مقيم من انحسار الأضواء عنهم فيعملون على الإبقاء عليها ولو بالقول الشاذ!

«البنا»، هو في رأيي مفكر من العيار الثقيل، فهو صاحب الكتاب المرجع في تاريخ المنظمات النقابية، وهو صاحب الدراسة المهمة عن حرية الرأي والاعتقاد في الإسلام، لكن حدث أن جرى استكتابه في جريدة «المصري اليوم»، ليصبح كاتباً قاراً بها، فأصابته لوثة الشهرة وهو على عتبة القبر، فكان يخوص في كتب التراث، ليأتي بكل ما هو شاذ من أفكار، ليبدو في وسط جاهل، كما لو كان اكتشف طريق رأس الرجاء الصالح، وكانت فتواه بجواز التدخين في نهار رمضان باعتبار التدخين ليس مفطراً، وهو قول قديم استقر الفقه على شذوذه، وبعض ما ورد في كتب الفقه القديمة يمثل عصفاً ذهنياً لفقهاء الأزمنة الماضية، فتقع عليها عين طالب للشهرة فينتزعها من سياقها ويقوم بترويجها، فيحدث صخباً دون أن يصيب هدفاً!

وقد جاء «يوسف زيدان» ليواصل المسيرة، ويتحصل على ما فاته من شهرة، لا يمكن أن يصل إليها عبر التفكير العلمي الجاد، وقد حاول أن يجرب حظه مع التراث المسيحي، لكن ردة الفعل كانت قوية، فضلاً عن أنه ليس هذا الباب الذي يمكن للإعلام أن يستدعيه للحديث فيه، فالكنيسة حليفة العسكر، لذا انتقل إلى ساحة أخرى، حيث يطعن تارة في الثوابت الدينية (الإسلامية) وأخرى في الزعامات الوطنية والتاريخية، وبشكل يليق بالصحافة الصفراء، وفي مرحلة المطلوب فيها الطعن في كل الثوابت والزعامات، حتى يهتز الإيمان بها في النفوس، فينتج هذا ارتباكاً من شأنه أن يجلب اليأس والقنوط، فيكون الاستسلام لسلطة القمع والاستبداد.

بالحسابات الدقيقة، فإن الإساءة إلى «أحمد عرابي» هو طعن في شرعية حكم العسكر، فالرجل ضابط في الجيش المصري، وكانت ثورته ثورة عسكرية، وبحسب المؤرخ الكبير «عبد الرحمن الرافعي» أنها كذلك لأن زعيمها والقائمين بها من ضباط الجيش، وأنها قامت وتحركت وفازت بقوة الجيش قبل أن تنتهي بالهزيمة!

وعندما قامت حركة الضباط في سنة 1952، وفي رحلة البحث عن مرجعية لها، استقرت على أن الثورة العرابية هي مرجعيتها!

ربما لا يعرف «الحكام الجدد» شيئاً عن «أحمد عرابي»، وعن خلفيته العسكرية، وعن الاتجاه القديم لحكم العسكر، وربما رأوا أن تدمير أي رمز، ليفقد الشباب القدوة، مقدم عندهم على أي حسابات أخرى، لاسيما وأن دوافع «عرابي» كانت وطنية، و «الجدد» يعتبرون الوطنية من «أساطير الأولين» ولاسيما أيضاً أن ثورة عرابي لم تكن عسكرية فحسب فهي بحسب «الرافعي»: «هي أيضاً ثورة قومية اشتركت فيها طبقات الأمة كلها»، فمال القوم الآن وهذا النوع من الثورات ؟!

«عرابي»، يؤخذ منه ويرد، وقد تنازع الثوار بعد هزيمته، وساهموا مع الاحتلال في تشويه ثورته، وفي الإساءة إلى شخصه، حتى وصلنا إلى حد أن توصف هذه الثورة بـ «الهوجة»، لكن الموقف الوطني لا ينبغي أن يتماهى مع ما ردده الاستعمار، والمنهج العلمي يلزم بضرورة البحث والتنقيب للوصول للحقيقة، لا أن يبالغ الموصوف باحثاً بتبني وجهة نظر واختطاف مقولات بعينها، للذهاب بعيداً حيث الالتقاء بالمستعمر في إساءته لعرابي بل يتفوق عليه بوصفه زعامة وطنية بالـ «فأر» !

فيوسف زيدان، ينكر الواقعة التاريخية الثابتة الخاصة بوقوف «عرابي» في مواجهة الخديوي أمام قصر عابدين، وهي واقعة أثبتها أكثر من مؤرخ، وفرض فيها «عرابي» وهو في حشد من ألوية الجيش شروطه على الخديوي، فاستجاب لها جميعاً، وهي الإفراج عن ثلاثة ضباط جرى اعتقالهم، وعزل وزير الحربية، وإسناد الوزارة إلى نصير العرابيين محمود سامي البارودي، الذي جمع بينها وبين وزارة الأوقاف، وكان الخديوي قد رفض في البداية الاستماع إليه، باعتباره خديوي مصر ومن سلطته أن يفعل ما يشاء. ورد عليه «عرابي» بأن هذه مطالب الأمة، وقد أنابت الجيش عنها، الذي هو جزء من الأمة، كما جاء في كتاب «محمود الخفيف»: «أحمد عرابي الزعيم المفترى عليه»

ويقول «الرافعي» في كتابه «الزعيم الثائر.. أحمد عرابي» أن الوزارة كلها قد سقطت تنفيذاً لمطلب «عرابي» والذي تدخل في تشكيل الوزارة الجديدة، وهو من اشترط أن يشكلها «شريف باشا» !

ويؤكد الرافعي نجاح الثورة في عدد من الجوانب، فقد ظفرت الأمة بالنظام الدستوري، وبتقرير حقوقها الدستورية، «وكان لعرابي الفضل في هذا الظفر القومي». وتم تعيينه وكيلاً لوزارة الجهادية، قبل أن يتم تنصيبه وزيراً في حكومة «محمود سامي البارودي». كما يقول الدبلوماسي البريطاني «ويلفريد بلنت» في مذكراته «التاريخ السري للاحتلال الإنجليزي لمصر»، وبعد واقعة قصر عابدين بعام وأربعة أيام وفي 13 سبتمبر 1882، كان «عرابي» على رأس الجيش المصري في «التل الكبير» يواجه الاحتلال الإنجليزي، وقد خانه بعض ضباط جيشه، وبدلاً من أن يقع تقريع «يوسف زيدان» على الخونة ذهب يهاجم «عرابي» ويتهمه بأنه السبب في احتلال مصر، ومن الواضح أن «زيدان» مكلف هنا بمهمة وظيفية تتمثل في تسفيه مواجهة القوة، ولو كانت باطلة، وفي الانتصار للأوطان!

فلم يكن في نشأة عرابي شيء يستوقف النظر، بل نشأة عادية لرجل عادي، بحسب «الرافعي»، لكن تمييز الضباط الشركس عن المصريين في الجيش المصري كان بداية نمو جينات الثورة بداخله.

ومن الواضح أن عبد الفتاح السيسي لا يجد نفسه امتداداً لعرابي وجيشه، ولكنه امتداد للخديوي وللاحتلال الإنجليزي، تماماً كما يتصرف «يوسف زيدان» كما لو كان هو الجنرال «رفقي الشركسي»، الذي فرض «عرابي» على الخديوي عزله من قيادة الجيش، فينتقم لنفسه الآن!

اللافت أن الإنجليزي «ويلفريد بلنت» أنصف «عرابي»، الذي شوهه مصريون من قبل ومن بعد!

إنها أزمة الأوطان عندما تفتقد البوصلة.

 

كاتب وصحفي مصري

azouz1966@gmail.com