المشروع بدأ عام 1900 .. وأول قطار وصل للمدينة في 1908

  • السلطان عبدالحميد تبرع ب 320 ألف ليرة وشاه ايران 50 ألفاً وخديوي مصر أرسل مواد البناء
  • 6 آلاف جندي و 200 مهندس عملوا في الإنشاءات بصفة دائمة
  • القطارات ما زالت تعمل حالياً بين عمان ودمشق لكن بصورة متقطعة ومحاولات عربية لإحياء الخط واعادته للحياة
  • قطار الحجاز اختصر رحلة الحج إلي 5 أيام فقط بعد أن كانت 40 يوماً
  • العاملون فيه الذين ما زالوا علي قيد الحياة يتحسرون علي أيامه

عمان - أسعد العزوني:

بعد مرور عشرات السنين علي توقفه القصري وحاجة دول الاقليم الي وسائل نقل رخيصة لنقل بضاعتهم وحتي انعاش السياحة الاقليمية من خلال التنقل بين دول الاقليم بالقطار الأقل تكلفة والأكثر متعة ادرك الجميع قيمته.

ويعد خط سكة حديد الحجاز من أروع إنجازات السلطان العثماني عبد الحميد الثاني من الناحية السياسية والدينية والحضارية؛ إذ استطاع هذا المشروع العملاق الذي استغرق العمل فيه ثماني سنوات متتالية أن يقدم خدمات جليلة لحجاج بيت الله الحرام، تمثلت في اختصار وقت هذه الرحلة الشاقة التي كانت تستغرق شهورًا، يتعرضون فيها لغارات قطاع الطرق، فأصبحت الرحلة بعد إنشاء هذا الخط الحديدي الذي بلغ طوله (1320) كم تستغرق أيامًا معدودة ينعمون فيها بالراحة والأمان.

وعمل بعض الحاقدين والناقمين علي السلطان ممن عاصروه أو المؤرخين من خصومه علي تشويه صورته من خلال تفسيرات تعسفية ادعوا فيها أن هدف إنشاء الخط الحجازي كان قمع الثورات في الحجاز، ولخدمة أهدافه العسكرية، وتوجهاته الاستبدادية.

كان إنشاء خطوط السكك الحديدية لربط أجزاء الدولة العثمانية المترامية الأطراف سياسة عليا للسلطان عبد الحميد الثاني، فالشام والحجاز لم يشهدا خطوطًا حديدية إلا في عهده، فكان الخط الحديدي من يافا إلي القدس سنة (1306ه = 1888م) أول الخطوط الحديدية في الشام، واستهدف السلطان من إنشائه خدمة الحجاج المسيحيين القادمين من أوروبا بحرًا إلي يافا، وبلغ طول هذا الخط (87) كم، كذلك تم إنشاء خط حديدي بين دمشق وبيروت بطول (147) كم كان يقطعها القطار في ست ساعات.

كان الحجاج المسلمون يلاقون صعوبات كبيرة أثناء تأديتهم هذه الفريضة قبل إنشاء الخط الحجازي، منها طول المسافة حيث كان طريق الحج العراقي يقترب من (1300) كم، وتستغرق الرحلة فيه شهرًا كاملاً. أما طريق الحج المصري فيبلغ من سيناء (1540) كم، ويستغرق أربعين يومًا، ويزيد خمسة أيام من طريق عيذاب. وطريق الحج الشامي يمتد (1302) كم، وتستغرق الرحلة فيه أربعين يومًا.

وبحسب المؤرخين فان أهداف السلطان عبد الحميد في إنشاء الخط الحجازي تكاد تنحصر في هدفين أساسيين مترابطين، أولهما: خدمة الحجاج بإيجاد وسيلة سفر آمنة ومريحة. أما الهدف الثاني: فهودعم حركة الجامعة الإسلامية التي كانت تهدف إلي تكتيل جميع المسلمين وتوحيد صفوفهم لتقوية الخلافة العثمانية لمواجهة الأطماع الأوروبية في العالم الإسلامي.

وقامت حركة الجامعة الإسلامية علي دعامتين أساسيتين، هما: الخلافة والحج، لذلك أراد أن يتخذ من الحج وسيلة عملية كي يلتف المسلمون حول الخلافة، وربط إنشاء الخط الحديدي الحجازي بحركة الجامعة؛ فيظهر أمام العالم الإسلامي بصورة الخليفة حامي وخادم الحرمين الشريفين، وبذلك يستقطب المسلمين نحو حركة الجامعة الإسلامية.

لم يكن التنفيذ سهلا علي السلطان عبد الحميد الثاني اذ واجهت المشروع صعوبات تمويلية، منها ضخامة تكلفته التي قدرت بنحو 3.5 ملايين ليرة عثمانية لكنها زادت عن ذلك ، وكذلك الأزمة المالية التي كانت تواجهها الدولة العثمانية، فضلاً عن ذلك فإن السلطان عبد الحميد أراد أن يضفي علي مشروعه الطابع الإسلامي؛ ومن ثم أراد أن يتم إنشاء المشروع برأسمال إسلامي دون اللجوء إلي بيوت المال الأجنبية الربوية، فوجه عبد الحميد نداءً إلي العالم الإسلامي عبر سكرتيره "عزت باشا العابد" للتبرع للمشروع. ولقي هذا النداء استجابة تلقائية من مسلمي العالم وانهالت التبرعات، وكان اتساع نطاق هذه التبرعات مظهرًا عمليًا لحركة الجامعة الإسلامية.

تبرع السلطان من ماله الخاص بمبلغ (320) ألف ليرة. وتبرع شاه إيران بخمسين ألفًا، وأرسل خديوي مصر عباس حلمي الثاني كميات كبيرة من مواد البناء، وتألفت في سائر الأقطار الإسلامية لجان لجمع التبرعات.

وأصدرت الدولة العثمانية طوابع لمصلحة المشروع، وأصدرت أوامر بقطع 10% من رواتب موظفي الدولة لصالح المشروع، وجمعت جلود الأضاحي وبيعت وحولت أثمانها إلي ميزانية الخط، وبذلك انتقلت حماسة إنشاء الخط الحجازي إلي العالم الإسلامي، وكان مسلمو الهند من أكثر المسلمين حماسة له؛ وهو ما أثار غضب بريطانيا، فوضعت العراقيل أمام حملات جمع التبرعات حتي إنها رفضت أن يرتدي المسلمون الهنود الذين اكتتبوا في الخط الأوسمة والنياشين العثمانية.

ولم تقتصر تبرعات وإعانات المسلمين علي الفترات التي استغرقها بناء الخط فحسب، بل استمر دفعها بعد وصوله إلي المدينة المنورة؛ أملاً في استكمال مدّه إلي مكة المكرمة.

تشكلت لجنتان -بعد قرار السلطان عبد الحميد- للإشراف علي تنفيذ المشروع، الأولي برئاسة عزت باشا العابد ومقرها إستانبول، والأخري للتنفيذ ومقرها دمشق برئاسة والي الشام. وقام مهندس عثماني بمسح المنطقة التي يمر بها الخط بين دمشق والمدينة المنورة، وكانت سياسة الدولة العثمانية آنذاك هي الاعتماد علي المهندسين المسلمين وعدم جلب مهندسين أجانب إلا عند الضرورة.

وتتبع الخط الحجازي بصفة عامة الطريق القديم الذي كانت تسلكه قوافل الحجاج، ولم يحد عنه إلا في بعض المناطق الوعرة، وتم تخصيص بعض القوات العسكرية لحماية العاملين في المشروع من غارات البدو.

واحتفل ببدء المشروع في (جمادي الآخرة 1318ه = سبتمبر 1900م) وابتدأ العمل في منطقة المزيريب في منطقة حوران بسوريا، ثم قررت الحكومة العثمانية إيصال الخط الحجازي إلي دمشق، لذلك قررت إنشاء خط درعا - دمشق، وباشرت العمل من دمشق ومزيريب في وقت واحد، وعهدت إلي مهندسين ألمان بإنشاء الخط، لكنها لم تسمح إلا للمهندسين المسلمين بالعمل في مد الخط في المنطقة الواقعة بين العلا والمدينة المنورة.

ومن ضمن العقبات التي صادفت المشروع نقص المياه، لكنه أمكن التغلب علي ذلك بحفر آبار وإدارتها بمضخات بخارية أو طواحين هواء، وجلبت المياه في صهاريج تسير علي أجزاء الخط التي فرغ من مدّها.

ولمواجهة نقص العمال وتوفير النفقات استخدمت قواتٌ من الجيش العثماني بلغ عددها زهاء ستة آلاف جندي ومائتي مهندس كانوا يعملون في الخط بصفة دائمة. كذلك كانت السيول الجارفة إحدي العقبات التي شكلت خطورة كبيرة وحقيقية علي الخط الحجازي في مرحلتي البناء والتشغيل؛ لذلك قام المهندسون بإنشاء مصارف للسيول علي طول الخط الرئيسي.

أما الرمال المتحركة التي تعرض صلابة الخط للخطر وتؤدي إلي انقطاع الحركة بتحرك الخط عن مكانه فأمكن التغلب عليها بتغطية منطقة الرمال المتحركة بطبقة من الصلصال، وبُني سد حجري ضيق يمتد موازيًا للخط الحجازي ليحول دون خطر تغطيته بالرمال المتحركة. أما مشكلة الوقود فتم استيراد الفحم من الخارج وأقيمت مستودعات ضخمة لتخزينه.

ووصفت تكاليف الخط الحجازي بأنها من أقل تكاليف خطوط السكك الحديدية في الدولة العثمانية علي الإطلاق رغم ضخامة وكثرة منشآته، فقد بلغ مجموع تكاليفه -بما في ذلك القطارات والعربات وسائر المباني علي طول الخط- حوالي أربعة ملايين و283 ألف ليرة عثمانية.

كما تميزت معدلات الإنجاز في إنشاء الخط بارتفاع ملحوظ؛ إذ وصل متوسط معدل الإنجاز السنوي حوالي (182) كم وهو معدل مرتفع جدًا آنذاك،مقارنة بمعدلات الإنجاز الأخري.

وقد وصل أول قطار إلي المدينة المنورة في (22 رجب 1326ه = 23 أغسطس 1908م) وأقيم الاحتفال الرسمي لافتتاح الخط الحديدي بعد ذلك بأسبوع ليصادف تولي السلطان عبد الحميد الثاني السلطنة.

ولأن الخط حشد عاطفة المسلمين خلف شعار الجامعة الإسلامية، قام السفير البريطاني في إستانبول بالتأكيد في تقرير لحكومته أن عبد الحميد ظهر أمام ثلاثمائة مليون مسلم بمظهر الخليفة والزعيم الروحي للمسلمين حين مد سكة حديد الحجاز.

و علاوة علي ذلك ساعد الخط الحجازي في نهضة تجارية واقتصادية لمدن الحجاز، وكافة المدن الواقعة علي امتداد الخط، ومنها مدينة حيفا التي تحولت إلي ميناء ومدينة تجارية هامة، وكذلك المدينة المنورة. كما ادي الخط الي ظهور مجتمعات عمرانية نتيجة استقرار بعض القبائل والتجمعات البدوية علي جانبي الخط في بعض الجهات واشتغالهم بالزراعة.

ومن مظاهرة حركة العمران التي صاحبت إنشاء الخط إضاءة المدينة المنورة بالكهرباء لأول مرة، حيث ابتدأت إنارة الحرم النبوي الشريف يوم افتتاح سكة الحديد، وتم جعل المدينة المنورة محافظة مستقلة مرتبطة مباشرة بوزارة الداخلية العثمانية.

وقد استخدم الخط الحجازي في بعض الأغراض العسكرية، ولا يتنافي هذا مع كونه أنشيء أساسًا لأغراض غير عسكرية، فأسهم في توطيد سلطة الدولة في المناطق الثائرة في بعض المناطق في قلب الجزيرة العربية، ووفر حماية قوية للأماكن المقدسة في مكة والمدينة.

استمرت سكة حديد الحجاز تعمل بين دمشق والمدينة المنورة نحو تسع سنوات نقلت خلالها التجار والحجاج، وعندما نشبت الحرب العالمية الأولي ظهرت أهمية الخط وخطورته العسكرية علي بريطانيا؛ وعندما تراجعت القوات العثمانية أمام الحملات البريطانية، كان الخط الحجازي عاملاً هامًا في ثبات العثمانيين في جنوبي فلسطين نحو عامين في وجه القوات البريطانية المتفوقة.

كان الخط الحجازي يمر في أراضي الدولة العثمانية، وعقب انتهاء الحرب العالمية الأولي أصبح الخط يمر في أراضي أربع دول نتيجة لتغير الخريطة السياسية للشرق العربي الآسيوي وتفتيته إلي عدة دول وكيانات سياسية، وهي سوريا والأردن وفلسطين والسعودية، فسيطرت كل دولة علي الجزء الذي يمر في أراضيها، وأيدت عصبة الأمم ذلك التقسيم علي يد القانوني السويسري أوجين بورل سنة (1344ه = 1925م).

وتعددت محاولات إعادة الحياة لهذا الخط الحجازي، ومنها عقد مؤتمر في الرياض سنة (1375ه = 1955م) جمع سوريا والأردن والسعودية، ولم توضع قراراته موضع التنفيذ، وتوقف العمل بالمشروع، وبعد أحد عشر عامًا من نسيان المشروع، تشكلت لجان وعقدت اجتماعات وصدر مرسوم بتشكيل هيئة عليا للخط الحجازي من وزراء المواصلات في البلدان الثلاث لكن لم تظهر أية بوادر واقعية لتشغيله.

وفي عام (1399ه = 1978م) تم الاتفاق بين البلدان الثلاثة علي إنشاء خط عريض جديد يربط بين هذه الأقطار، ووضعت دراسات المشروع، ووقع الاختيار علي شركة "دوش كنسول" لتحضير دراساته وخرائطه، وكانت نتيجة الدراسات إيجابية، فتوالت اجتماعات اللجان واعتمدت قرارات بأن تنفذ كل دولة من الدول الثلاثة علي نفقتها الجزء الذي يمر في أراضيها، لكن يبدو أن مشروع الخط الحجازي قد وضع في قبر النسيان.

كان أكبر تهديد يواجهه قطار الحجاز، هو توماس ادوارد لورانس أو (لورانس العرب) ومجموعة المتمردين العرب، التي قادها والتي كانت تخرب الخط الحديدي الذي ينقل الجنود الأتراك، أما الآن فيواجه القطار ذاته، خطر الإهمال، والصدأ، وتطور الأحوال.

مشاهدات وشهادات

ذات صباح وبعد ان تم تشغيل الخط الرابط بين ألأردن وسوريا، لم يزد عدد ركاب القطار علي أربعة أفراد، في رحلته بين عمان ودمشق، مرورا بصحراء الأردن ووديان سوريا الخضراء، وهي المسافة الوحيدة التي ما زال الخط الحديدي يعمل بها.

وتستغرق الرحلة التي تبلغ مسافتها 175 كيلومترا ساعتين ونصف الساعة بالسيارة، لكنها قد تستغرق 17 ساعة بقطار الحجاز، الذي تمتد فترات توقفه في المحطات لساعات، كما يضطر للتوقف في منتصف الطريق، انتظاراً لعبور قطيع من الماعز، أو لأن أحد المشردين نام علي الخط الحديدي !!

ولم يعد السفر بقطار سكك حديد الحجاز ممتعا في الوقت الحاضر، فالأتربة تتسرب من نوافذ عرباته، ومقاعده تمزقت وأسراب الذباب تتدفق إلي داخله، كما لا يزيد مرحاض القطار علي فتحة في أرضية غرفة ضيقة.

لكن المسافر في هذه الرحلة يحظي أيضا بمشهد رائع لحياة الصحراء التي يقطعها القطار بسرعة لا تزيد علي 40 كيلومترا في الساعة.

ويري المسافر قطعان الأغنام، ترعي علي تلال قاحلة بصحبة رعاة من البدو وأطفالاً يندفعون إلي خارج خيام منصوبة بالقرب من الخط الحديدي ليلوحوا بأيديهم للركاب.

وفي منطقة (حوران) بسوريا تختفي الصحراء، لتحل محلها حقول يزينها اللون الذهبي لسنابل القمح، وتنتشر فيها حدائق مزروعة بالبطيخ، بجوار قري تعلو فيها مآذن المساجد وأبراج الكنائس الأرثوذكسية.

وكانت قطارات خط سكك حديد الحجاز في أوج مجدها تنقل ألاف الحجاج إلي بيت الله الحرام كل عام، واليوم أصبح معظم ركاب الخط من السكان المحليين وبعض الأجانب المولعين بالقطارات القديمة والباحثين عن الغرائب.

وعلي جانب الخط الحديدي تري بين الحين والآخر، ساحات تقف فيها قاطرات بخارية قديمة صنعت في ألمانيا أو بلجيكا ولكنها الآن تعاني من الصدأ، وتعلو أبراج خزانات المياه محطات الخط المبنية علي الطراز العثماني، والتي ما زالت تدق فيها الأجراس لإعلان إقلاع القطار.

يقول (أبو زبدي) العامل الفني البالغ من العمر 79 عاما الذي يعمل في سكك حديد الحجاز منذ 40 عاما: "كان الناس يسافرون بالقطار .. لكن الركاب اختفوا بعد مجيء السيارات والطرق السريعة."

ويضيف: "إنه يعرف كل واحدة من عربات القطار .. كما يعرف أبناءه الثمانية"، وفي كل مرة يتوقف القطار يقفز منه (أبو زبدي) ليفحص العجلات والمحاور و وصلات الربط، ويقول العامل المخضرم في فخر: "بعض هذه العربات عمره 100 عام لكنها تسير مثل أول يوم لها."

وفي مدينة الزرقا شمال شرق عمان، توقف القطار فجأة حيث كان أحد المشردين نائما علي الخط الحديدي، واقتادت الشرطة الرجل الذي كان مخموراً فيما يبدو إلي داخل القطار، بعد أن وضعوا الأصفاد الحديدية في يديه.

وقرب الحدود السورية امتلأت إحدي عربات القطار بعدد من تلاميذ المدارس، بصحبة نساء متشحات بالسواد، وتصاعدت في العربة رائحة أرغفة الخبز أثناء تناول الأطفال وجبة الغداء، فيما راح اثنان من عمال القطار يمران علي الركاب، ويعرضان عليهم أقداح القهوة.

وقال راكب في منتصف العمر كان يقف بجوار الحاجز الحديدي خارج عربة القطار، فيما كانت القاطرة تتهادي إلي مدينة درعا السورية: "أنا ذاهب إلي دمشق لزيارة أقاربي، السيارات أسرع لكني هنا استمتع بالمناظر."

و في إطار مساعيه لتنمية الحركة السياحية حاول الأردن، إحياء خط سكك حديد الحجاز بتسيير عربات تشبه عربات القطار القديم أيام لورانس، لكن طول مدة الرحلة جعل السياح، أو حتي الركاب الفقراء يعزفون عنه.

وتقلص عدد الرحلات بين عمان ودمشق إلي رحلتين أسبوعيا، نتيجة قلة الإقبال بعد أن كانت أربع رحلات في الأسبوع. ويقول عامل القطار (أبو زبدي) بأسي: انه لا يعرف إلي متي سيستمر خط الحجاز في العمل، لكنه سيواصل عمله فيه إلي آخر يوم في حياته.. كان القطار مصدر رزقي طوال أعوام.. خط الحجاز هو بيتي .

قصتان قصيرتان لمسنين أفنيا حياتهما بين القطارات؛ فالأول سائق قطار والثاني مكيانيكي قطار.

القصة الأولي

محمود إبراهيم العمر 88 عاما، المهنة: سائق قطار علي خط الحجازي الأردني لسكة الحديد، منذ 40 عاما..

"مهنتي راحة الركاب، وسواقة القطار هذا القطار مخلص ومحب، ويحب الناس ولا يغضب ولا يغدر فهو آمن".

لوهلة تشعر وكأنه يتحدث عن إنسان، فهو حاول مرارا في حديثه إكساب القطار الصفات الإنسانية. كيف لا وعمر بأكمله قضاه بين القطارات وأصوات السكك الحديدية وأصوات الناس المرتحلة فيه، وكذلك الصفارة وصوتها المدوي في أعماق المناطق المار منها....

القطار توقف مرة، لا لعطل فيه إنما لتراكم الثلوج في طريقه الأمر الذي أوقفه...هنا قام محمود بالسير كيلوات علي أقدامه، يقول.."هذا ما أذكره فقط من لحظة لم يعد القطار قادرا علي السير، لا لعطل فيه، إنما لأنه لا يستطيع المرور حينها، وباقي الأيام والسنين فلم يخرب أبدا فالقطار كان المخلص دوما لي".

... هذا ما يتذكره محمود، ولعل ذاكرته لم تسعفه بتذكر أحداث مر بها، لكنه استمر بالحديث دون أي سؤال بدر مني..

"صنعوا القطار المستعجل، لكن هذا القطار سيبقي، ولو أرادوه معطلا فسيبقي ذكري ويجب أن يقف في المحطة للذكري فهو بعمري أنا".

تقلد وسام الملك عبد الله الثاني لأنه أقدم سائق في خط سكة الحديد فكان التكريم الذي بدا معلقا كنيشان علي صدره ويقولها بافتخار "قلدت الوسام ومع رؤساء الوزراء هم لأنهم قدموا للوطن وأنا أيضا قدمت للوطن فكرموني، شكرا جزيلا لهم".

الحديث مع محمود كان في قطار أعادته شركة خط سكة الحجاز الأردني إلي الحياة مؤخرا ليكون قطارا سياحيا يعمل بين عمان والعقبة، نتحدث معه والقطار يتجه إلي الزرقاء في رحلة سيّرته خط الحجاز لمستثمرين أجانب جاءوا إلي الأردن لكي يقيّموا خط قطار عصري من باب أخذ فكرة واطلاع علي مسار خط الحديد...وهذا ليس موضوعنا إنما ..ماذا يقول محمود عن شعوره بعد مدة طويلة لم يخرج فيها بالقطار؟

"أشعر بافتخار، أنا مبسوط أني في القطار من جديد" يتحدث بافتخار وبصوت بانت عليه الشيخوخة.

"القطار فيه حياة، ينعش الناس وينعش المملكة إذا دعموه وجعلوه وسيلة نقل للناس".

هنا، انتهي حواري مع محمود واخذ ينظر من شباك القطار علي المناطق المار منها وفي عيونه نظرة إلي ماض لا يستعاد.

القصة الثانية...

صالح بشتاوي، العمر 75 عاما، المهنة ميكانيكي قطارات.

هو الميكانيكي المخلص للقطار، والذي صرف سنوات كبيرة من عمره بين عجلات القطار، مصلحا إياه حينا أو ساهرا علي صيانتها حينا آخر، فالقطار كما يقول مثل صديق عجوز صادقه طوال العمر..

"أنا موظف في سكة الحديد منذ 40 عاما، أنا ميكانيكي قطارات..أذهب دائما بالقطار بكل رحلة لأكون أشبه بالمداوي له إذا ما تعطل أو حصل خراب معين، ولأتابع صيانته باستمرار، فأزيّت العجلة من هنا وأشحم العجلة الأخري من هناك وهكذا عملي".

الصيانة الدائمة هي واحدة من الأسباب لكي يكون صالح في القطار، لكنه في حقيقة الأمر يسعي ليكون ملازما لأي رحلة يخرجها القطار.."عشقا بهذه الوسيلة الكبيرة بقامتها.. فكم من الرحلات خرجنا بها لنأخذ الركاب من عمان إلي درعا وثم نعود من درعا إلي القويسمة..لنقل البضائع".

"قصصي كانت لا تحصي في رحلات القطار..". صالح يصمت لدقيقة.

ويكمل "رغم تجاوزي عمر الستين بكثير إلا أن إدارة السكة رفضوا الاستغناء عني لأني فني قطارات ورغم أني ختيار إلا أني أعمل ولازلت بصحتي وبهمة الشباب...الحمد الله".

القطار لدي الختيار صالح..مدينة وعالم لا يمكن الاستغناء عنه، "أريده بأفضل حال، أصون زجاجه وأصلح أي عطل أشعر به رغم أن هذا ليس عملي".


"القطار صديقي فكيف لي أن أتركه يهان".

الحداثة التي لحقت بالقطارات متسارعة.. وصالح يعرف ما حل بالقطارات ولا يأبه بهذا التطور.."أحب أن أكون بين القطارات الخشبية البخارية القديمة".

ما المانع أن أكون بين السكك الحديدية؟ يسأل صالح نفسه ويعطيها الحق بالجواب..

"القطار يحبني وأنا أحبه..سأموت قربه..علهم يدفنوني قربه".

كان ميناء يافا محطة لنزول الحجاج والسياح القادمين بحراً لزيارة الأماكن المقدسة، ولا سيما أن مدينة يافا ارتبطت بالقدس بسكة الحديد. وكان يصدر عبر ميناء حيفا اللوز والمسابح والمواد الخزفية والمنتجات السياحية المصنوعة في القدس وبيت لحم، كما تم عبرها استيراد المواد الغذائية كالدقيق والأرز والبن والخشب والفحم الحجري والبترول، بينما كانت غزة الميناء الرئيسي في فلسطين لتصدير الشعير الفلسطيني إلي الخارج، ولا سيما إلي بريطانيا، بالإضافة إلي تصدير البطيخ إلي مصر. وأما ميناء حيفا فقد اشتهر كميناء تجاري بعد افتتاح خط الحجاز الحديدي. وكان أهم الحاصلات الزراعية المصدرة عبر ميناء حيفا الحنطة والفاصوليا والسمسم.

وتتبع الخط الحجازي بصفة عامة الطريق القديم الذي كانت تسلكه قوافل الحجاج، ولم يحد عنه إلا في بعض المناطق الوعرة، وتم تخصيص بعض القوات العسكرية لحماية العاملين في المشروع.

وأكّدت الدراسة التي أعدتها هيئة المعونة الدولية اليابانية (الجايكا) لصالح مؤسسة السكك الحديدية السورية علي ضرورة تطوير الخط الحديدي الحجازي بناء علي الدور المستقبلي لهذا الخط في نقل البضائع لمسافات طويلة من وإلي عمان وصولاً إلي المملكة العربية السعودية، ودوره في تشجيع السياحة، خاصة وصلة سرغايا، من خلال ثمانية أزواج من القطارات أسبوعياً في الصيف. وتوقعت الدراسة أن يصل عدد السياح من دمشق إلي سرغايا عام 2020 إلي 177.519 ألف سائح، أيضاً يمكن أن يكون الخط الحجازي وسيلة جيدة للنقل إلي مطار دمشق الدولي، فمن المتوقع أن يصل عدد المسافرين جواً عام 2020 نحو 1.7 مليون مسافر بمعدل 60 إلي 70 رحلة طيران يومياً، وهذا يعني استعمال 20 ألف مسافر للخط الحديدي يومياً.

أيضاً يمكن أن يساهم الخط الحجازي في النقل الحضري بمدينة دمشق من خلال تطوير خط (فقطنا) وإنشاء خطوط حديدية حضرية أخري في المدينة، وهنا يمكن القول: إن مؤسسة الخط الحجازي يمكن أن تكون مرشحة لتشغيل نظام النقل المحدد، إلا أن ذلك يحتاج إلي أموال كبيرة، فمثلاً إعادة تأهيل خط درعا يتكلف 736 مليون ليرة سورية، وتغيير مساره القديم - الحجاز (584 مليون ليرة). وإعادة تأهيل سرغايا (352 مليوناً) وإعادة تأهيل خط قطنا يكلِّف 443 مليون ليرة سورية .