بقلم : طـــه خـلـيفـة (كاتب وصحفي مصري) ..
في اليوم الأول من شهر أكتوبر الماضي، وفي اليوم الأخير منه، شهدت أمريكا جريمتين مروّعتين، الأولى كانت في «لاس فيجاس»، مدينة الترفيه الأشهر في العالم، وهي جريمة فرديّة ودوافعها لا تزال غامضة، ارتكبها مواطن أمريكي يُدعى ستيفن بادوك «64 عاماً»، وهي الأكثر دمويّة في التاريخ الأمريكي الحديث، فقد حصد أرواح 59 شخصاً، وأصاب أكثر من 500 آخرين كانوا في حفل موسيقي، تفاصيل الجريمة باتت معروفة، وانتحار بادوك دفن معه الدافع لإقدامه على هذا الفعل الوحشي الذي سيطر على عقله، وجعله يصوّب سلاحه الآليّ الذي طوّره ليكون أسرع في إطلاق الرصاص على الألوف ممن جاءوا إلى ساحة منطقة فنادق ليحتفلوا ويبتهجوا.

الجريمة الثانية التي وقعت قبل أيام ارتكبها مهاجر من أوزبكستان يُدعى سيف الله سايبوف «29 عاماً»، وهي دمويّة أيضاً، لكن ضحاياها أقل من ضحايا جريمة بادوك، فقد أزهق في عملية الدهس التي نفذها بشاحنة أرواح 8 أشخاص، وأصاب 12، وهم جميعاً من المشاة، أو كانوا يقودون الدراجات في ممشى مُخصص لهم حيث اقتحمه بشاحنته متعمّداً.

لم ينتحر الأوزبكي، الذي يعيش في أمريكا منذ فاز في قرعة الهجرة السنوية عام 2010، وحصل على إقامة دائمة، وحياة جديدة فيها، لم يكن وفياً مع البلد الذي فتح أبوابه له، ورحب به، ومنحه أملاً في حياة أفضل من تلك التي هرب منها في بلاده، جريمته فرديّة رغم إعلانه أنه من جنود «الخلافة الداعشية الكارثيّة المزعومة»، ومن الجيّد أن الطلقة التي وجهها له شرطي كانت في بطنه فلم تقتله، وربما ذلك كان تصرفاً احترافياً من هذا الشرطي للقبض عليه واستكشاف المخبوء في عقله الشيطاني الذي خطط جيداً لجريمته - كما فعل بادوك قرينه في الهمجية - ليقتل بهجة الناس في احتفالهم بمناسبة اجتماعيّة تقليديّة أو دينيّة اسمها «الهالوين»، ويحوّل نيويورك مدينة المال والأعمال الأشهر في العالم إلى ما يشبه الثكنة العسكريّة، ويمنح الرئيس ترمب فعلاً مداناً يبرّر به هجمته على المُهاجرين، وإغلاق الأبواب أمامهم، ومواصلة استخدام مصطلحه المفضّل «الإرهاب الإسلاميّ المتطرّف».

لم يكن صعباً معرفة دوافع سيف الله، الذي ليس له من اسمه نصيب، فهو عمل إرهابي خسيس حسب المعلومات والشواهد والأدلة المتوفّرة، وهو بجريمته ينضمّ إلى قائمة طويلة من برابرة العصر الذين ينسبون أنفسهم إلى دين عظيم في التعايش والتسامح، لكنه انتساب اسمي فقط، فهم لا يفقهون منه شيئاً.

إرهابي منهاتن اتبع سبيل تنظيمات الإرهاب التي تتوالد كالفطر في الشرق، واعتبر نفسه من جنود الخلافة، والخلافة براء منه، ومن جميع الدواعش، ومن كل تنظيمات التطرّف، ومن كل من يتاجرون بالخلافة التي جسدت معاني الرشد والعدل والحق والإنسانيّة، والدعوة للسلام والمحبة، ونشر الخير في الأرض لكل سكانها، لم تعتدِ الخلافة الإسلامية الحقيقيّة يوماً على أحد، ولم تكن تحارب إلا من يسعى للحرب، ويعلن العدوان، هؤلاء الذين يدنّسون التاريخ والتراث والأنوار المضيئة للإسلام والمسلمين يجب التبرؤ منهم، والقطيعة معهم، وهزيمتهم.

بادوك قاتل وإرهابي، رغم أن جريمته في «لاس فيجاس» جنائيّة، ودوافعه غامضة، لكن ترويع الآمنين والعدوان على حياة البشر إرهاب بامتياز بغض النظر عن الدين والعرق والجنسيّة، وسايبوف الأوزبكي قاتل وإرهابي نشر الفزع في نيويورك، والفارق أنه لا يوجد ما يشير إلى أن بادوك كان يقتل باسم الله، أو يرفع شعارات دينيّة، أو له انتماءات لتنظيمات إرهابيّة أو متعاطف معها، لذلك يبقى جرمه فردياً معبراً عن حالته الخاصة، وغالباً اختلاله النفسي، أما الأوزبكي فالمؤكد أنه مختل نفسياً، فالذي يدهس الناس متعمداً رافعاً شعارات دينيّة ومتعاطفاً مع التطرّف لا يمكن أن يكون إنساناً سوياً.

الذئاب المنفردة، والذئاب المنضوية في تنظيمات متطرّفة يسفكون الدماء، ويروّعون الآمنين في عواصم الغرب والشرق، ولا يتركون مكاناً تصل إليه أياديهم إلا ويمارسون إرهابهم فيه، ومن أسفٍ أن معظم تلك الجرائم يرتكبها من ينسبون أنفسهم للإسلام، وعقليتهم المريضة البائسة تعتبر ذلك جهاداً ثمنه الجنة، والأغلبية العظمى لضحاياهم من المسلمين، وبسببهم تزدهر الإسلاموفوبيا، ويصعد اليمين المتطرّف في أوروبا وأمريكا، وصارت كلمة مسلم اليوم مرادفة لكلمة إرهاب، والأجنبي الذي يتعرّض لتلك الجرائم أو يتابعها لن يميّز بين مسلم يدين ويرفض هذا السلوك البربري، وبين نفر ضال وشاذّ يقتل بحقارة.

كل مسلم مُطالب بأن يكون ضد العنف والإرهاب بشكل مطلق، لا تبرير، ولا تعاطف، هذا الموقف يجب أن يكون فريضة، وإلا سنجد أنفسنا جميعاً في خانة أهل الشرّ في هذا العالم الفسيح، ولن يكون لنا مكان فيه.

المسلمون، شعوباً ودولاً في لحظة فارقة لإنقاذ أنفسهم ودينهم من بين أنياب الذئاب المتوحّشة.
  
tmyal66@hotmail.com