ترجمة-كريم المالكي: شابة، ترتدي اللباس التقليدي الطويل للأميش، وغطاء رأس أبيض، تحركت بعيدا عن سوق المزارعين، ومن ثم فتحت يدها وأخذت تبحث في هاتفها الذكي لكنها غير غافلة عما يجري من حولها. وليس بعيدا، هناك رجل في أواخر الستينات بلحية بيضاء، يرتدي قبعة من القش واسعة الحواف يعبث أيضا بكمبيوتره الشخصي. كان قبل قليل يعمل على تقطيع قطع تباع على الإنترنت ويسلمها بجميع أنحاء البلاد.

ورغم هذا المشهد فلا يعني أن الأميش تخلوا عن عاداتهم فهم لا يزالون يستخدمون العربات التي تجرها الخيول ويمتنعون عن أنواع كثيرة من التكنولوجيا. والمعروف أنه بسبب امتناعهم هذا ظل الكثير من أنماط حياتهم مرتبط بما كانت عليه الحياة في القرن التاسع عشر حيث لا سيارات، أو تلفزيونات أو وصلات للأجهزة الكهربائية، على سبيل المثال.

من هم الأميش؟

مجموعة تعيش في قلب أمريكا حيروا العالم بعاداتهم وتقاليدهم الغريبة، ولا زالوا يمارسون ذات الأشياء التي كانوا يفعلونها قبل 300 عام، فلا يوجد عندهم وسائل الحداثة الشائعة، وملابسهم مازالت جلدية مبرقشة، وما زالوا يضعون على رؤوسهم القبعات القديمة التي كان الشمال الأمريكي يرتديها قديمًا.

بقاء الأميش إلى الآن معجزة كبيرة تضافرت عدة عوامل فيها، ويؤمنون بأن الانغلاق وعدم الاحتكاك بالعالم الخارجي هو السبب الرئيسي لبقائهم، فهم لا يستخدمون التكنولوجيا الحديثة فقط، بل لا يعرفونها، ولا يُحاولون التعرف عليها.

تحكمهم الأخلاق والمبادئ، ولم يتجهوا طوال تاريخهم للأحكام والقوانين، كما لا يلتزمون بما يلتزم به باقي أفراد المجتمع الأمريكي، وبالطبع أي شخص يتمنى أن يكون حرًا، غير مُكبل بأي قيود، خاصةً وإذا كانت هذه القيود هي الضرائب، لكل ذلك، وغيره، بقيت الأميش، وستبقى للأبد.

مع ذلك فإن أجهزة الكمبيوتر والهواتف الخلوية أخذت تسلك طريقها لبعض مجتمعات الأميش بشكل محدود، ما يعني أنهم أحيانا، دفعوا إلى حداثة القرن الحادي والعشرين عن طيب خاطر وفي الغالب على مضض.

التكنولوجيا والأميش

وأتاحت التكنولوجيا الجديدة فرصا جديدة للازدهار بين الأميش، كما هو الحال بقية الناس في العالم، فيمكن للمقاول الاتصال بالعميل من موقع العمل. ويمكن لبرنامج مالك المتجر القيام بعمل سريع كتحضير الرواتب والمخزون. ويمكن للمخبز أن يأخذ بطاقات الائتمان.

ولكن بالنسبة للأشخاص المتمسكين بالعزلة والانفصال عن أشياء كثيرة في العالم الخارجي، فإن الأجهزة التكنولوجية الجديدة قد جلبت لهم مخاوف من عواقب إتاحة الإنترنت. وهناك مخاوف بشأن المواد الإباحية، فهم قلقون حول ما إذا ستقود شبكات التواصل الاجتماعي الأبناء والبنات للالتقاء بأصدقاء من غير الأميش؛ والارتباط بعالم مفتوح على احتمالات لا حدود لها.

الخوف من انفلات القيم

وقال إريك ويسنر، وهو مؤلف ويدير مدونة «أميش أميركا»: إن حياة الأميش ترتكز على الاعتراف بقيمة الحدود المتفق عليها وروح الإنترنت تتقاطع مع فكرة الحدود. أما جون، الذي يعمل على منشار يتم التحكم به بحاسوب فقارن ذلك بالحظر الموجود على استخدام السيارات، حيث قال، إن عدم استخدام السيارات ليس بالوسيلة التي تبقينا معا. (وكان مثل معظم الأشخاص الذين تمت مقابلتهم رفض إعطاء اسمه، كما هو شعور الأميش بالتواضع، وكثيرا ما امتنعوا عن تصوير وجوههم لنفس السبب). وأضاف: هناك دائما قلق حول ما يمكن أن يقود شبابنا لخارج القيم التي تعلمناها.

التغيير ضروري

ويهدد الإنترنت أيضا عاملا آخر لدى الأميش، فبالنسبة لمجتمع ينتهي التعليم الرسمي بعد الصف الثامن، حيث يتعلم الصغار تجارة أو حرفة إلى جانب أحد الأقرباء أو أي شخص آخر من مجتمعهم.

يقول ليفي، وهو عامل أخشاب: كلما زاد عدد الناس الذين يعتمدون على التكنولوجيا، كلما زاد عدد الراغبين بالجلوس خلف المكتب. ولكن لا يمكنك بناء منزل وأنت تجلس وراء مكتب. إن جل اهتمامنا ينصب على مستقبل أطفالنا، لأنهم سيفقدون أخلاقيات عملهم.

ولكن بعض الشباب لا يوافقون على ذلك، حيث قالت مارلين، 18 عاما، عندما تجمعت مع صديقاتها للمشاركة بأنشطة دينية، إن كبارنا يطلبون منا احترام وجودنا معا، ولا نستخدم الهواتف، لذلك نحن نتحقق فقط من رسائلنا والوقت، لكنها أصرت على أن بعض التساهل كان ضروريا.

وأضافت: لا يمكننا العيش كما كنا منذ 50 عاما لأن الكثير قد تغير. لا يمكن أن تتوقع منا البقاء على نفس الطريق. نحن نحب طريقتنا بالحياة، ولكن قليلا من التغيير أمر جيد.

تحول نحو الأعمال المدنية

ينمو مجتمع الأميش بمعدل قد يفاجئ الغرباء، وأن هذا النمو يساعد في الدفع للاعتماد على التكنولوجيا. ويقدر عدد سكان الأميش في الولايات المتحدة بنحو 313 ألف شخص، أي بزيادة تقترب من 150% منذ 25 عاما، وفقا لما ذكره باحثون. والسبب الرئيسي هي أسرهم الكبيرة، فالنساء المتزوجات لديهن 7 أطفال في المتوسط، ويتزوج أبناء الأميش بمعدل أعلى وبسن أصغر من بقية الأمريكيين على الإطلاق.

وفي منطقة لانكستر، حيث أصبحت الأراضي المفتوحة نادرة وأكثر تكلفة، دفع النمو السكاني السريع ببعض أسر الأميش للبحث عن المزيد من المناطق الريفية في أماكن مثل نيويورك. وقد ترك آخرون الزراعة وانتقلوا للأعمال التجارية. فمثلا أن شخصا يدعى موسيس سموكر افتتح متجرا لبيع المواد الغذائية ومحلا لبيع السندويشات في سوق محطة القراءة الشعبية في فيلادلفيا.

مسموح في العمل لكن ليس البيت

ويقول سموكر: إن فيلادلفيا مدينة سريعة الإيقاع فحينما أعود إلى منزلي في لانكستر حيث الأميش، أستطيع قيادة الحصان لأنني أستمتع بالخيول. وبخصوص التكنولوجيا، علق سموكر: عليك أن تفعل ما عليك القيام به للبقاء في مجال الأعمال التجارية. وقد بدأ الناس يفهمون ذلك.

وقال دونالد ب. كرايبيل، أستاذ متقاعد، هناك حوالي ألفي شركة ناجحة أصحابها من الأميش في منطقة لانكستر، وكثير منهم أصحاب ملايين. ويرسم العديد من سكان الأميش خطا مشرقا بين ما هو مسموح به في العمل - الهواتف الذكية، والوصول إلى الإنترنت - وما يبقى ممنوعا في المنزل. ومع ذلك، فإن توصيل منزل بالخدمات العامة لا يسمح به، ولكن العديد من المنازل مكهربة بمولدات كهربائية وألواح شمسية. وتوجد ثلاجات تعمل بالبروبان. وخدمات «تاكسي الأميش»، يقود سيارتها أشخاص من غير الأميش، وتوفر وسيلة للالتفاف دون انتهاك خصوصية أحكامهم بعدم جواز امتلاك سيارة.

كمبيوتر للعمل فقط

وفي الوقت الراهن، يبدو أن بعض الناس في مجتمع الأميش قادرون على إبقاء التكنولوجيا الحديثة ضمن نطاق الأعمال التجارية فقط. فمثلا سام، 29 عاما، الذي يقوم بتسليم شحنات شركته للأميش، يعمل على جهاز كمبيوتر في متجر الشركة حيث كان تعلم استخدام الجهاز تحديا بالنسبة له.

لا يخفي سام اندهاشه من المخرجات التي يحصل عليها بواسطة الكمبيوتر، فيقول: أستطيع أن أحصل بسهولة على العديد من العمليات، وبالتالي فهو من يخلصني من كل هذه الأوراق. ولكن التكنولوجيا لها مكانها، ومكانها العمل فقط، لذا لا أفكر أبدا بجلب جهاز كمبيوتر للمنزل.

عن نيويورك تايمز الامريكية