بقلم - أحمد ذيبان:

ما الجديد في ذكرى وعد بلفور؟ تتكرر الذكرى السنوية بتاريخ 2 نوفمبر منذ مئة عام، وفي كل عام يستذكر الفلسطينيون والعرب المناسبة المشؤومة، باستنكار هذه الجريمة التي ارتكبتها بريطانيا بحق الشعب الفلسطيني، لكن ذكرى مرور مئة عام، التي تمر هذه الأيام لها نكهة «رمزية» مختلفة، تتعلق بمرور قرن من الزمان، على وضع حجر الأساس لإقامة إسرائيل، ولا تزال نتائج هذا «الوعد» تتفاعل، كآخر استعمار استيطاني عنصري في العالم !

ولا يمكن فصل «وعد بلفور» وما نتج عنه من كارثة فلسطين، عن اتفاقية «سايكس- بيكو» بين بريطانيا وفرنسا عام 1916، التي تقاسمت بموجبها الدولتان الاستعماريتان الدول العربية الواقعة شرقي المتوسط، وتضمنت في طياتها بذور «وعد بلفور»، من خلال النص على وضع المنطقة، التي اقتطعت فيما بعد من جنوب سوريا «فلسطين»، تحت إدارة دولية يتم الاتفاق عليها بالتشاور بين بريطانيا وفرنسا «وبموجب وعد بلفور، أعطيت فلسطين لاحقاً للصهاينة لبناء دولة إسرائيل».

وجاء «الوعد» عبر رسالة وجهها بلفور وزير خارجة بريطانيا، الى روتشيلد «أحد زعماء الحركة الصهيونية»، تضمنت التزام الحكومة البريطانية بإقامة «وطن قومي لليهود «في فلسطين، وبعد مئة عام من هذه الجريمة وما نتج عنها من تداعيات كارثية، تتفاخر بريطانيا بدورها في تسهيل هجرة اليهود إلى فلسطين، وإنشاء دولة إسرائيل وتشريد شعب فلسطين، وقبل أيام أكدت رئيسة الوزراء « تيريزا ماي»، أنها ستحضر حفل عشاء مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ونخبة من نحو 150 من الضيوف الذين جرى انتقاؤهم بعناية، للاحتفال بالذكرى المئوية لوعد بلفور !.

وهذا موقف متغطرس، ينطوي على استفزاز واضح لمشاعر الشعب الفلسطيني، ورد سافر على الحملة التي أطلقها مركز العودة الفلسطيني في لندن عام 2013، ضمن تحالف عالمي لجمع مليون توقيع خلال خمس سنوات، تنتهي بالذكرى المئوية للوعد المشؤوم، لدفع بريطانيا على تقديم اعتذار عن خطئها التاريخي، وما نتج عنه من تشريد للفلسطينيين.

وقد بدأت الحملة بحشد عدد من المؤسسات الفلسطينية والأوروبية، بالإضافة إلى السياسيين الأوروبيين وصناع القرار المناصرين للحق الفلسطيني، للمشاركة بفعالياتها المتعددة بهدف توعية الرأي العام الأوروبي والعالمي، وممارسة ضغوط سياسية وشعبية على بريطانيا، لإجبارها على الاعتذار العلني لشعب فلسطين، بحكم أنها تتحمل مسؤولة سياسية وأخلاقية أكثر من أي دولة أخرى، عن كارثة الشعب الفلسطيني، ومن بين هذه الضغوط وثيقة إلكترونية وقع عليها أكثر من 13 ألف بريطاني.

وإذا كان الاعتذار والاعتراف بالخطأ يترتب عليه المطالبة بتعويضات ضخمة، فعلى الأقل يجدر أن تتخذ لندن موقفاً ينطوي على حد أدنى من التوازن، كالاعتراف ولو «رمزياً» بالدولة الفلسطينية، والتعبير عن أسفها لما أصاب الشعب الفلسطيني من معاناة جراء «وعد بلفور»، بدلاً من الاحتفال به في ذكراه المئوية، لكنها ذهبت أبعد في عجرفتها بالتأكيد أن»إقامة وطن قومي لليهود في أرض لهم بها ارتباط تاريخي وديني، كان أمراً صائباً وأخلاقياً « ! وهو موقف يشكل قوة دفع لسياسات حكومة نتنياهو، في مواصلة خطط الاستيطان وتهويد القدس، وإفشال أي جهود لإيجاد حل سياسي.

الواقع العربي البائس وتراجع الاهتمام بالقضية الفلسطينية، بسبب الانقسامات الداخلية والحروب الأهلية وافتعال الأزمات البينية، يشجع بريطانيا وغيرها من الحكومات الداعمة لإسرائيل وفي مقدمتها الولايات المتحدة، للإمعان في الاستخفاف بالحقوق الفلسطينية ورفض الاعتذار.

ومع ذلك فإن لدى السلطة الفلسطينية هامشاً للتحرك، والضغط على الحكومة البريطانية ومقاضاتها أمام المحاكم الدولية، وهنا يجدر الإشارة إلى أن «وعد بلفور»يتضمن فقرة تقول».. على أن يفهم جلياً أنه لن يؤتى بعمل من شأنه، أن ينتقص من الحقوق المدنية والدينية، التي تتمتع بها الطوائف غير اليهودية المقيمة الآن في فلسطين»! والمقصود بذلك الفلسطينيين الذين كانوا يشكلون» 90 بالمئة «من سكان فلسطين ! وثمة فكرة يتم تداولها رداً على رفض بريطانيا الاعتذار، وهي مطالبتها بتعديل «وعد بلفور»، بإضافة كلمة «الحقوق السياسية « للنص المشار إليه.

صحفي وكاتب أردني

Theban100@gmail.com