فهد فرج مبارك الهلابي

يتواصل تهاوي العملة التركية مع اقتراب الانتخابات العامة في البلد، ويصاحبه كثرة الرسائل في وسائل التواصل الاجتماعي المنادية بأن التهاوي سببه أيد أجنبية تسعى لإسقاط الحكم الإسلامي لرجب طيب أردوغان، وقد يكون ذلك صحيحاً إلى حدٍ ما ولكن الحقيقة أعقد من مجرد نظرية المؤامرة.

حال تركيا يشبه الأسطورة الإغريقية عندما طار إيكاروس عالياً فحرقت الشمس أجنحته، كذلك شهد الاقتصاد التركي وثبات سريعة منذ تولي السيد أردوغان الحكم و هو بكل حق راعي النهضة التركية الحديثة، فقفز «الناتج المحلي» للبلد من 250 بليون دولار عند توليه الحكم إلى ما يقارب التريليون الآن، و(الناتج المحلي المعادل للقوة الشرائية -وهو المقياس الأصح عند الاقتصاديين) حلّق إلى ما فوق التريليوني دولار واضعاً الاقتصاد التركي في مركز 13 في الترتيب العالمي متفوقاً على دول أوروبية منها دار البنوك العالمية سويسرا.

لم يكن مستغرباً أن يشهد هذا التسارع صعوبةً في اللجم، وأصدق تعبير للوضع هو كسيارة مسرعة تكاد من سرعتها أن تفقد إطارها، لذلك سارعت تركيا برفع سعر الفائدة المركزية على الليرة لكبح النمو المتسارع، رفع الفائدة من شأنه أن يُثبط من إقراض البنوك، فيقلل من تداول العملة في السوق فيؤدي إلى زيادة الطلب على العملة و بالتالي يرفع سعرها، وفعلاً أدت الخطوة بشكل ملحوظ في تغيير اتجاه مؤشر العملة وشهدت صعوداً طفيفاً، لكن للأسف قد تكون هذي الخطوات غير ناجعه على المدى البعيد فأصحاب الأموال بدأوا ببيع الليرة لصالح شراء العملة الأجنبية، خاصةً وقد اُشتهر عن أردوغان لسنين شعاره بأنه عدوٌ لسعر الفائدة باعتبار الفائدة ربا و أداة لاستغلال حاجة الفقير، فما كانت الخطوات الأخيره بالالتجاء إلى زيادة سعر الفائدة لتطمئن رأس المال الجبان.

لم يكن كل ما سبق مُستغرباً ولكن الغريب في الأمر أن جميع التحليلات الاقتصادية الأجنبية تكاد تُجمع أن لن يكون لهذا التهاوي أي أثر على حظوظ حزب أردوغان في الانتخابات المقبلة، لأن الاقتصاد التركي تحول بشكل كبير إلى القطاع الخدمي معتمداً بشكل كبير على مصادر متنوعه مثل السياحة، و هبوط سعر العملة يشجع السياحة من الخارج التي تجلب العملة الصعبة فتصرفها أو تستثمرها في العقارات و المزارع، فيجد التركي البسيط أن تهاوي العملة خيرٌ عليه لا شر، على الأقل على المدى القريب إلى ما بعد الانتخابات المبكرة، فإذا فاز الحزب الحاكم فإن ثبات أركان الحكم بعد انتخابات ديمقراطية نزيهة من شأنه أن يرسل برسائل الطمأنينة لرؤوس الأموال بالعودة إلى البلد، وذلك هو رهان الحزب.

كانت تركيا منذ فجر العثمانيين ومازالت الحصن المنيع و الصديق الوفي، ولهذا يتمنى لها الحاسدون أن تتعثر، ويتمنون لهذه التجربة الإسلامية الرائدة أن تفشل، والمُحزن أن ممن يسعون في خرابها عربٌ ومسلمون، فتجد أصابعهم وألسنتهم القذرة وقد امتدت لها تحاول بائسةً التأثير في قرارها، ونحن بدورنا كمسلمين عموماً و قطريين خصوصاً نرجو من الله أن تخرج تركيا العظيمة من عنق الزجاجة هذه أقوى من قبل، و أن تواصل صعودها بخطى ثابتة إلى المراكز الأولى في الترتيب العالمي تحت القيادة الرشيدة لمن يرتضيه الشعب التركي، فهذا اختيارهم و سنكون لهم داعمين في استقلالية قرارهم كما دعمونا في عز مصيبتنا من جيراننا.