بقلم / د.حماه الله ولد السالم :

أطلق الفرنسيون اسم موريتانيا على النطاق الذي يشمل غرب الصحراء، وامتعض الموريتانيون من التسمية ظنًا منهم أنها رومانية وهي كذلك مبدئيًا، وتذكّروا القرون التي عرفت فيها بلادهم ببلاد شنقيط، متناسين أن التسمية تحريف لاتيني للفظ "أتمورتناغ" الأمازيغيّ وينطق أيضًا "اتمُورْْتَنَّا" ومعناه: أرْضُنَا! كما أن ثلاثة أرباع الناطقين بالعربية في موريتانيا هم من أصول صنهاجية "بربرية". رغم كلّ ذلك لا يجد المتابع أيّ ذكر للأمازيغية أو فروعها لا ثقافيًا ولا سياسيًّا في موريتانيا اليوم! فما أسباب عدم وجود الحقبة الأمازيغيّة في الذاكرة الموريتانيّة؟ هل هو غياب أم تغييب؟

 

وهل هناك إرث أمازيغيّ في موريتانيا؟ إن كان الجواب نعم فما هو؟ ولماذا لا يقدّم للحياة العامة؟ وإن كان الجواب لا، فلماذا هو غائب وغير موجود؟ وإن كان الإرث الأمازيغي موجودًا تاريخيًا ولكنه توارى عبر مسار تكوين البلد وسكانه فلماذا توارى واندمج وانمحى؟ ولماذا تخلّت القبائل ذات الأصول الصنهاجية عن "أصلها"؟ البربريّ وهل تمّ ذلك طواعية أم تحت الإكراه؟ أسهم في انتشار العربية قلة المرتفعات في البلاد الموريتانية مما سهل السيطرة العربية بسرعة ربما لأن القبائل الهلالية كانت تستولي على البسائط والسهول وقلما حاولت السيطرة على الجبال والهضاب.

 

والحقّ أن هناك عوامل مختلفة متساوقة أسهمت في صياغة المجال اللغوي والحضاري للمجموعة الموريتانية القديمة صياغة جديدة أحدثت قطيعة صارمة مع العصر الصنهاجي "البربري" ووفرت عناصر إدماج قوية ذاتية وخارجية في العهد العربي. ولذلك أصبحت هناك وبشكل قوي مظاهر تبني التراث العربي الذي قامت عليه الحياة الثقافية في موريتانيا وأصبحت أنساب العرب وأيامهم وعلوم لغتهم ودواوين شعرائهم دعائم لثقافة الموريتانيين. وكان وقع تلك المثاقفة قويًا على شجرات الأنساب الصنهاجية حيث تعربت بسرعة وانتقل الصنهاجيون من تقليد الانتساب للأم إلى تقليد الانتساب للأب! لكن تدوين الأنساب لم يتم إلا على نحو متأخر مع تطور النخبة المثقفة في أوساط الزوايا إبان تطور العلاقة مع الأمصار العربية من خلال قوافل الحج والرحلات العلمية.

 

ومن هنا أصبحت أنساب أغلب القبائل الصنهاجية أنسابًا عربية ترتفع إلى اليمانيين أو المضريين. ويذهب بعض الباحثين إلى أن تدرج الأنساب من الأنصارية إلى القُرشية العامة إلى الشريفية في تقاليد البيضان المروية والمكتوبة، كان بالتساوق مع تطور العصبيات السياسية في المغرب الإسلامي وتردد أصداء ذلك الصراع في الصحراء. هناك قبائل تصرّح بأصلها المرابطي "اللمتوني" لكنها تأنف بل ترفض نسبتها للبربر، ولعلّ ذلك راجع لاعتبارها الأصل اللمتوني محيلاً على الأصل الحميري، حيث كان قادة الدولة المرابطية من لمتونة يفتخرون بأصلهم اللمتوني الحميري!

 

ويؤكد النسابة عروبة صنهاجة وكتامة وأنهما دخلتا بلاد المغرب قبل الإسلام في عهود قديمة بعد انفجار سد مأرب، ويلحّون على حميرية القبيلتين. أما القبائل الموريتانية "الزاوية" الكثيرة فتأنف من النسب اللمتوني ذاته وتربط أجدادها برجال من العرب الخلص: قُرشيين أو يمانيين. وومنذ ميلاد الدولة الموريتانية الحديثة ازداد اهتمام تلك القبائل بتوكيد تلك الأنساب، وتضاعف الاهتمام مع المرحلة السياسية التعددية في العشرية الأخيرة من القرن الماضي تبعًا لتوظيف القبيلة في الصراع السياسي والمغانم المترتبة عن ذلك. وولم يسعَ الاستعمار الفرنسي إلى خلق "حالة أمازيغية" في موريتانيا، بفعل أسباب موضوعية منها: ارتباط العرف المحلي بالاختيارات الفقهية للمذهب المالكي، ولذا لم تكن هناك حالة فراغ تشريعي كتلك التي كانت قائمة في المغرب مثلاً بين بربر الجبال وسكان المدن، ووفرت مناخًا لتطبيق ما عرف "بالظهير البربري" بالمغرب وسعت من خلاله إلى تطبيق العرف المحلي بدل الشريعة الإسلامية في "القبائل ذات العوائد البربرية" مع توسيع نفوذ المحاكم الفرنسية -في المغرب- بحيث يصبح من اختصاصها "النظر في زجر الجنايات التي يقع ارتكابها في النواحي البربرية مهما كانت حالة مرتكبي الجناية".

 

وقام الاستعمار الفرنسي في موريتانيا "بإصلاح" القضاء والتمييز بين القضاء الأهلي "الشريعة" والمدني "الفرنسي" سعيًا لعلمنة المجتمع وليس لتكريس "ظهير بربري" آخر لانتفاء مقوماته. ولكن الباحثين الاستعماريين ظلوا يسعون إلى نشر تفسيرهم لتاريخ المنطقة لتكريس الفصل بين سكانها، فقد ذهبوا تحت تأثير وهم -مبدأ الصراع الأزلي بين "العرب" و"البربر"- إلى فكرة الربط بين "الزوايا" وصنهاجة وأضافوا إليها روايات حول الحروب بين الطرفين ليخلصوا إلى نتيجة مؤداها أن "الزوايا" هم البربر المسالمون المنتجون في مواجهة العرب الكسالى "المخربين".

 

لكن الطرح الاستعماري حول الأمازيغية في موريتانيا بقي محصورًا في الأدبيات التي كتبها الإداريون ولم يتنزل للواقع المعيش. ومنذ الاستقلال ازداد الحرص على الانتساب العربي في الستينيات والسبعينيات من القرن الـ20م مع المد القومي الناصري والبعثي، وتمّ السعي في الأدبيات القومية المحلية لتذويب بؤر التوتر "التاريخية" بين العرب والزوايا، بل جرى الحديث عن عروبة الأرقاء السابقين وعن الأصل العربي لبعض الفئات الزنجية كقبائل الفولاّن: "الفولبه"! وقد ظلت الثنائية عرب/زنوج هي التي تحكم "المسألة الثقافية" في موريتانيا الراهنة، ولم يحدث أن تم الحديث عن ثنائية عرب/بربر لا سياسيًا ولا ثقافيًا. ومن هنا لم يكن موضوع الأمازيغية لغة أو أصولاً مطروحًا لا في الدستور ولا في الحياة الرسمية ولا حتى لدى الأحزاب. ولذلك فدستور 20 يوليو/ 1991 حسم تحديد اللغة الرسمية بالعربية واللغات الوطنية، ولم يطرح الاعتراف بالصنهاجية.

 

كما أنه ليس هناك حزب يتحدث في دستوره ولا برامجه أو نشراته عن الأمازيغية من قريب أو بعيد، لأن الجماهير المحلية ليس بينها من يقدم نفسه كمعني بالموضوع. وهكذا بقي النقاش حول الأمازيغية في موريتانيا شأن قلة من المثقفين غالب اهتمامهم بالموضوع أكاديمي بحْت، وإن كان بعضهم يسعى من جديد لإعادة طرحه ولو من باب النقاش النخبوي. لكنّ المعنيين بهذا الطرح ما زالوا قلة كما أن مشاركة بعضهم في الكونغرس الأمازيغي السنوي بقيت رمزية، بل إنهم حرصوا على عدم ذكر أسمائهم في كشوف المؤتمرين، مما يدل على تحرج محلي أكثر منه خارجي! غير أن ذلك لا يمنع من طرح الأمازيغية مستقبلاً في موريتانيا لاسيما إذا ازدادت الليبرالية السياسية تجذرًا، خاصة إذا صح أن هناك نشأة لتيار آخر ينزع نحو تمجيد الأصول الحسّانية وينادي بإحلال عرب الأمس مكانتهم التي يستحقونها في رأيه. وفي كل الأحوال فالمسألة الثقافية الموريتانية ستكون أكثر تعقيدًا وستنحو منحىً طائفيًا أكثر من أي شيء آخر.

- ملاحظة يشكل الناطقون بالأمازيغية في موريتانيا أقلية سكانية تقدر بـ 5 /100 من مجموع مكونات الشعب الموريتاني.

كاتب موريتاني