برلين - الراية : يفتقد الألمان الذين يقيمون في الخارج على الأكثر، الخبز الألماني، حيث هناك أكثر من مائة نوع، والهليون، أو الخضرة الألمانية، لكونها مقتصرة تقريباً على ألمانيا. ففي هذا الوقت من السنة، تبدأ أكواخ خشبية صغيرة بالظهور في جميع أنحاء ألمانيا. أمام الكنائس، في مواقف السيارات، بالقرب من البحيرات. مشهد يوحي بأنّ البلاد عبارة عن بلدة فقيرة مليئة بالأكواخ التي تحمل مجرد رسالة بسيطة، مؤلفة من كلمة واحدة: «شبارغل»، ففي داخلها كنز هو نبات الهليون، المعروف بالألمانية باسم «شبارغل» أو الخضرة الفاخرة. في الواقع، إنّ الشغف الألماني بالهليون منقطع النظير، حتى أنّ خمس مساحة اليابسة الصالحة للزراعة في البلد مخصص لزراعة الهليون، ويتمّ إنتاج 55.000 طن سنويًا في فصل الربيع القصير، بقيمة إجمالية قدرها 175 مليون يورو. وإذا طلبت استيراده من الأمازون، فسوف يكلفك الكيلو الواحد 14.98 يورو، وهو سعر أقرب إلى اللحوم منه إلى الخضراوات الأخرى.

ولكن لماذا الهوس؟ بماذا يتميّز هذا النبات الجذري ليجعل الألمان متعلّقين به؟

«إنّها نشوة الربيع!» بحسب مانفريد شميت، الذي يدير متحف الهليون في بليتز. فالهليون من الخضراوات الربيعية الطازجة، وهو يعطي الناس دفعة ذهنية عندما يرونه على الرفوف، كما أنّه صحي ومنخفض السعرات الحرارية. ويضيف شميت ضاحكاً: «الملوك والملكات أكلوا الهليون،... وحتى الناس العاديون». وكان الهليون ينمو في الريف الألماني منذ آلاف السنين. وتشير صحيفة «دي فيلت» إلى أنّ بليني الأكبر في كتابه «التاريخ الطبيعي» في القرن الأول، كتب عن السيقان النباتية الشاحبة المتعددة التي برزت من خلال التربة الجرمانية.

وفي بليتز، على بعد ساعة بالسيارة خارج برلين، بدأوا يزرعونها منذ العام 1861. والجدير بالذكر أنّ التقلّبات في العلاقة بين المدينة وهذه الجذور الصغيرة، ترسم قصة ألمانيا الحديثة.

وحتى الحرب العالمية الأولى، ارتفع الإنتاج بشكل مطرد وفي العام 1908 تم تأسيس تعاونية. ثم خلال الحرب العالمية الأولى انخفضت الأرباح، على الرغم من أنها تعافت في العشرينيات حيث تم تصدير هليون بليتز لأول مرة إلى جميع أنحاء أوروبا. وفي الثلاثينيات،عندما أرسل النازيون الفتيات إلى الأرض للخدمة الإلزامية، استمر الإنتاج في النمو. وبحلول العام 1939 تم تخصيص حقول شاسعة لزراعة هذه الخضرة الفاخرة. لكن الحرب العالمية الثانية وموقع بليتز اللاحق في ألمانيا الشرقية الشيوعية، وضعا حداً للسنوات الذهبية. وقد أثبتت سياسات الزراعة الجماعية في السبعينيات أن المزارع لم تكن تملك القوى العاملة الكافية لزراعة الخضراوات البيضاء، علماً أنّها تتطلّب عمالة كثيفة تقطع الجذور باليد. وبحلول العام 1989 صارت المنطقة مثل ظل يائس لذاتها السابقة، حيث لم يستخدم سوى 10 هكتارات من الأراضي لإنتاج الهليون.

لكن الربع الأخير من العام شهد ارتفاعًا مذهلاً في حظوظ مدينة براندنبورج. فالعمالة الرخيصة من بولندا وفّرت جميع القوى العاملة التي تحتاج المزارع إليها، وتجاوز الإنتاج مستويات ما قبل الحرب. واليوم، توظف مزارع بليتز 3 آلاف عامل موقت كل عام وتنتج  9 آلاف طن من الهليون على مساحة 500 .1 هكتار من الأراضي. وفي عام 2016 تناول الألمان أكثر من 120 طناً من الهليون الذي كان قد اختفى ثم أعاد الفرنسيون زراعته في القرن السادس عشر. وساهمت الدعاية في الترويج للهليون مثل تتويج الفتيات الصغيرات كـ «ملكات الهليون»، ويشير شميت إلى أنّ هذا التتويج تقليد دام عشرين سنة، وهو جيد لتسويق هذا المنتوج.