بقلم : سليم عزوز ـ كاتب وصحفي مصري ..
لا يختلف اثنان، ولا تنتطح عنزان، في أن تعديل الدستور، قضية «حياة أو موت» بالنسبة للسيسي، سواء بإلغاء النصّ الذي لا يُبيح الترشّح لأكثر من دورتين رئاسيتين، أو بمدّ فترة الرئاسة إلى ست سنوات وذلك أضعف الإيمان!

الدستور نفسه يحظر الاقتراب من المواد الخاصّة بانتخابات الرئاسة، ولو بموافقة الشعب المصري كله، فهي من النصوص «الفوق دستوريّة»، وعندما حدّدت لجنة الدستور شغل منصب الرئاسة بدورتين، وكذلك بأن تكون المدّة الخاصّة لمنصب رئيس الجمهورية هي أربع سنوات، كانت محكومة بعدّة اعتبارات: فهذه النصوص منقولة من الدستور الذي وُضع في عهد الرئيس محمد مرسي، وبعد ثلاثين عاماً من حكم مبارك كان التقييد مطلباً عاماً، أجمعت عليه جميع القوى المدنيّة، كما أن النزول بمدّة الرئاسة من ست سنوات إلى أربع سنين، مأخوذٌ من هذا الدستور، وانتقل إليه من التعديلات الدستوريّة التي أُقرّت بعد الثورة وجرى الاستفتاء عليها، والتي اشتملت - كذلك - على تقييد مدّة الرئاسة بدورتين!

كان ما يشغل لجنة وضع الدستور بعد الانقلاب العسكريّ، أن تضع دستوراً أفضل من «دستور الإخوان»، الذي وقفت ضدّه جبهة الإنقاذ، الممثلة بقوة في هذه اللجنة، ومنهم من انسحب من اللجنة التأسيسيّة التي تشكلت في عهد الدكتور محمد مرسي، في الأزمة التي وصفتها حينئذ بـ «محنة خلق الدستور»!

وكان الاعتبار الحاكم، أن عبد الفتاح السيسي لم ينتوي فعلاً الترشّح لمنصب الرئيس، وإلا كان الوضع تغيّر، فإن استشعرت «لجنة الدستور» الحرج، فقد عدّل المجلس العسكري بعض النصوص، بعد أن أقرّتها اللجنة، والتي فوجئت بتعديلها عندما تمّ تسليم أعضائها مشروع دستورهم مطبوعاً، في حفل عشاء أقامته السلطة الفعليّة الحاكمة بمناسبة الانتهاء من وضع الدستور الجديد، بحسب شهادة الدكتور محمد أبو الغار، عضو اللجنة ورئيس الحزب الاجتماعيّ الديمقراطيّ وقتئذ، ولم يتم الاقتراب من هذه النصوص الخاصّة بانتخاب رئيس الجمهورية، لأن السيسي لم يكن يضع في اعتباره الترشّح، ولو كان قد عقد العزم، لكان يكفيه إلغاء النص المانع لعمليّة تعديل المواد الخاصّة بانتخابات الرئاسة.

فقد كان المُقرّر أن يستمرّ عبد الفتاح السيسي وزيراً للدفاع، ولهذا كان تحصين هذا المنصب، وقد أعجبته فكرة الرئيس الذي لا يملك من أمره شيئاً، وقائد الجيش الحاكم الفعليّ للبلاد، وكان يعتقد أن هناك ممانعة دوليّة لترشحه، وتقول الروايات المتواترة أنه عرض على المستشار عدلي منصور الترشّح، لكنه اعتذر، فلما تأكّد أنه لا يوجد اعتراض دوليّ على ترشحه، خاض الانتخابات، فهذا هو الطريق الأسلم، فأي بديل ليس مأمون الجانب، فماذا لو انقلب الرئيس القادم على فكرة «خيال المأتة»؟، بل وماذا لو تحايل على التحصين الدستوري كما تحايل السيسي عليه، وعزل وزير الدفاع، واحتمى بالشعب، ولوّح بتقديمه للمحاكمة على جملة الجرائم التي ارتكبها في «رابعة» وأخواتها؟!

وهناك تجرِبة ماثلة في الأذهان، خاصّة بأنور السادات، فكل مكوّنات دولة عبد الناصر، وجدت فيه الشخص الضعيف، لذا حدث توافق بين الجميع على أن يصبح هو الرئيس على مظنة أنهم الحكام الفعليون، كلٌ في دائرة نفوذه، فأدخلهم جميعاً السجن، وتقرّب معظمهم منه برسائل الاسترحام، التي يطلبون منه فيها العفو والمغفرة!

منذ اللحظة الأولى لقرار السيسي بخوض الانتخابات الرئاسيّة، بدأ الحديث عن ضرورة تعديل الدستور، وكانوا في انتظار تشكيل البرلمان، صاحب الاختصاص، قبل عرض الأمر على الاستفتاء الشعبيّ، ولم يوقف ذلك سوى أمر أمريكي صدر بأن يعرض القوم في القاهرة عن ذلك، فكان اللافت هو التوقّف الجماعي، فلم يشذّ أحد ويتمسّك بموقفه، بما يؤكّد أن الدعوة ووقفها صادرة من النظام، وقد بدأ الحديث من جديد عن التعديل، لكن لم تتخذ الخطوات المطلوبة، لأن موافقة أمريكية لم تصدر، فماذا لو لم تصدر!
ترامب ليس في أقوى حالاته، وفي قوته قد يطلب التأجيل إلى ما بعد انتخاباته الرئاسية في 2020، وفي ضعفه قد لا يمكنه منح الموافقة، لأن منحها قد يؤلّب عليه خصومه، والملاحظ أن الإعلام الأمريكي بدأ منذ فترة في التوسّع في نشر التقارير السلبيّة عن حكم السيسي لا سيما في ملف حقوق الإنسان، وهذا لم يكن قائماً من قبل، على الأقل بهذه الكثافة، التي تأخذ شكل الحملة الإعلاميّة!

وضعف ترامب، قد لا يُمكنه من إصدار أمره بعدم تعديل الدستور، وقد يغضّ الطرف، لكن الطريق للتعديل لن يكون مفروشاً بالورود، فماذا لو اتفقت القوى المصريّة على بند واحد، وهو رفض تعديل الدستور، والتمسّك بنصوصه، ودعت للنفير العام، والاحتشاد لرفض هذه التعديلات؟، لا تنسَ أنه في لحظات الخوف، فإن (2) مليون مصري ذهبوا للانتخابات الرئاسيّة وأبطلوا أصواتهم.

صحيح أن السيسي استثناء في الانبطاح، ولا يمكن أن يكون هناك بديلٌ له في هذه النقطة، لكن البديل على قواعد مبارك أفضل بالنسبة لهم من أن يخرج الأمر من أيديهم!

إذا حدث الرفض الأمريكي لتعديل الدستور، أو عدم التجاوب مع رغبة السيسي في الاستمرار في الحكم، فليس أمام السيسي سوى حل من اثنين:

الحل الأول: هو تأمين الجبهة الداخليّة، وأمامه قوتان سيفاضل بينهما: القوى المدنيّة، والإخوان المسلمين، الأولى تملك صوتاً عالياً، والثانية تملك الفعل على الأرض، ولو اتحدتا على البند السابق فلن يمرّ تعديل الدستور أبداً، وعليه سيعمل السيسي على استقطاب القوى الأكثر تأثيراً، لاحظ أنه ترك مؤخراً باب المصالحة موارباً، وهو المنصوص عليه في الدستور، وعلق الأمر على شرط موافقة الشعب، حسناً لقد وافق الشعب، ولأنها الضرورة التي تقدّر بقدرها، فلن تكون مصالحة علنيّة، لكنها محادثات سريّة عبر وسطاء، تقدّم فيها السلطة تنازلات شكليّة والاستغراق في المفاوضات لكسب الوقت، على أمل أن تحلّ كل المشاكل العالقة بعد الاستفتاء، ولا ضمان لشيء، فقرار طيّ صفحة الإخوان من العمل السياسي اتخذ في 2010، وجاءت الثورة، فمثلت فاصلاً، ليتم تنفيذ القرار في وقت لاحق!

لا أقول إن الإخوان سيوافقون، لكن إذا حدثت الموافقة فالردود جاهزة، فتعديل الدستور ليس مسارنا، ولن نشارك ولو بالرفض لأن هذا سيُعطي شرعيّة لمسار غير شرعيّ، فنحن في طريقنا: الثورة وعودة الرئيس الشرعيّ!

الحل الثاني: لن يلجأ السيسي إليه إلا إذا فقد القدرة تماماً على تعديل الدستور، وهو العودة إلى خطوط 2013، بالعثور على مُحلل، يتم تمكينه هذه المرّة «من الدخول بها» بصوت «عادل إمام» في مسرحية «الواد سيد الشغال»، بحيث يكون في حكم المؤقت عدلي منصور، على أن يعود هو وزيراً للدفاع مرة أخرى، وكل أعضاء المجلس العسكري من اختياره!

هناك فرصة في يد المعارضة وقوى الثورة قد لا تتكرّر، وهي التوافق على بند واحد وهو حماية الدستور، ورفض تعديله، ولا داعي للاختباء وراء شعارات تمكن من الهروب من «واجب الوقت» وهو أنه دستور غير شرعيّ، أو أن المسار كله يفتقد للشرعيّة، وهذا كله صحيح، لأنه ليس لديك بديل لشيء، إلا انتظار تدخّل ملك الموت!
هذه هي الحقيقة المُرّة.
  
azouz1966@gmail.com