بقلم - عمار محمد عبدالسلام آل زيدان:

وأنت تمر أمام مبنى مكتبة قطر الوطنية الجديد، الواقع داخل حرم المدينة التعليمية بمؤسسة قطر العتيدة والكبيرة بإنجازاتها في مجال العلم والتنمية، ستبدأ لا محالة في استحضار تلك المقارنات بين مكتبات العالم وهذه المكتبة الحديثة - بالنظر إلى عمرها الذي ناهز نصف قرن - ليس عليك حينها استحضار تلك المقارنات المادية البسيطة من حيث الكم والمادة بل ما عليك استحضاره هو تلك المقابلات المعرفية والنوعية، بالنظر للأثر الرجعي للمكتبات على مجتمعاتها بصفة عامة، يجول في خاطرك - لا ريب وأنت تستنشق رائحة الكتب - مسيرة البشرية العامرة بالنجاحات والإخفاقات، بالطفرات والانتكاسات وكذلك بالعلوم والجهالات.

ففضلاً عن تاريخ منطقتنا الموغل في القدم من حضارات بلاد الرافدين ونهر النيل ونهر الأردن، نجد أن تاريخنا الإسلامي والعربي، حافل بالنهضة الحضارية المبنية على أسس إنسانية،عقدية وعملية تربط النظري النقلي والعلمي العقلي بعقدة تُسمى الكتاب.

أما في قطر البلد الذي لا يرضى إلا بالصدارة في الوطن العربي والعالم، فإن المكتبة الوطنية بعد خمسين سنة تنبثق من جديد من داخل المدينة التعليمية، وأنت تقف أمام مبناها الأنيق غير ذي مبعدة من صروح العلم والمعرفة كأنما هو يدعوك للغوص فيما يحويه من لآلئ العلوم بمختلف اللغات.. يدعوك لعالم الكتاب الذي أعيد له رونقه وبريقه الذي سلب منه بعد أن كان أغلى ما يمتلك.

وانطلاقاً من الدور الريادي الذي تسعى قطر لتبوّئه يأتي افتتاح المكتبة الوطنية بقطر، وهي بحقيقة الأمر ليست مجرد مكتبة وطنية بل تتجاوز ذلك كمكتبة عامة متاحة لكل فئات المجتمع بمختلف الأعمار وتتميز بسهولة الولوج للمعلومة عبر رقمنة عالية ومبسطة باستعمال آخر ما تُوصل إليه من الوسائل والتجهيزات والمرافق المتاحة للجميع خصوصاً ذوي الاحتياجات الخاصة وفئة الطفل الأكثر تعطشاً لتطوير الذات وتنمية ملكات الفكر والتخيل والتساؤل والاعتماد على النفس.

ولست هنا بمعرض ذكر التجهيزات ولكن لابد من المرور على ذلك لإبراز أهمية الجهد لتطوير الجانب العلمي والبحثي من طرف مسؤولي القطاع في الدولة، واقتصر في ذلك على ذكر أن مجموع ما كشف عنه من الكتب يصل إلى نصف مليون كتاب افتراضي ومليون ومائتي ألف كتاب ورقي من مختلف بساتين المعرفة الإنسانية وشتى مجالات العلوم والثقافة والأدب.

ولم يغفل القائمون على هذا المشروع الحضاري ما يكتسيه الكتاب بصفة خاصة والمعرفة عموماً من أهمية لدى الأجيال الوطنية والعربية الناشئة، لذلك جعلوا نصب أعينهم إيجاد مكتبة للأطفال ومجموعة لليافعين وتحوي هذه الأجنحة آخر ما توصلت إليه تقنيات وبرامج التعلم والتعليم المستهدفة لهاتين الفئتين وغيرهما من الفئات المجتمعية، خاصة الباحثين الذين سيجدون في المجموعة التراثية كنزاً لا ينضب من نوادر الجواهر في كل العلوم، حيث إنها مجموعة غنية بالمخطوطات والمؤلفات النادرة ما سيدفع بالبحث العلمي داخل الدولة إلى الأمام، وسيطور الخزينة المعرفية كنتيجة حتمية لهكذا جهد.

إن هذا الجهد المحمود، الذي أشرف عليه خيرة الكوادر القطرية على أعلى مستويات المسؤولية مع خبرات عالمية متفردة في مجالها، أكمل الصورة المعرفية والبريق الذي يراد إعطاؤه للمدينة التعليمية، ولتزدان بهذا الصرح الأيقوني كماً ونوعاً، وهو مع كل هذا وذاك صلة وصل تربط الماضي العظيم بالحاضر البهي والمستقبل الواعد، مواكباً في ذلك الرؤية التي أرادها أهل قطر لها بحلول 2030 تجسيداً لشعار المؤسسة: «إطلاق قدرات الإنسان».

 

aomarz03@gmail.com