الدوحة - الراية : أكد فضيلة الداعية د. محمود عبدالعزيز أن الاستغفار الذي يُثمر، ينتج، ويتنزل به الرزق، والمطر، والنصر، هو الذي يَصْدُر من القلوب الصافية والنفوس الزكية، والذي يوافق القلب فيه اللسان، ويصحبه ندم وعزم على عدم العودة إلى الذنوب والآثام.

مشيرًا إلى أن ابن القيم رحمه الله روى أن شيخه ابن تيمية رحمه الله، سئل أيهما أولى بالعبد: الاستغفار، أم التسبيح والتهليل والتكبير والتحميد؟، فرد رداً بليغاً. فقال: إنْ كان الثوب متسخاً فالصابون والماء الحار أولى به، وإنْ كان نظيفاً فالطيب وماء الورد أولى، ثم قال: كيف ولا تزال الثياب متسخة؟!!، أو كما قال. وأوضح أن دواء الذنوب الاستغفار مشيرًا إلى ما قاله أبو ذر رضي الله عنه: إن لكل داء دواء وإن دواء الذنوب الاستغفار.

الاهتمام بالذنوب

وأضاف: حاسب أحد الصالحين نفسه من وقت بلوغه فإذا زلاته لا تجاوز ستا وثلاثين فاستغفر الله لكل زلة مائة ألف مرة، وقال ومع ذلك فإني غير آمن من سطوة ربي أن يأخذني بها، فأنا على خطر من قبول التوبة.

ونوه إلى أن من زاد اهتمامه بذنوبه فربما تعلق بأذيال من قلت ذنوبه فالتمس منهم الاستغفار، فهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يطلب من الصبيان الاستغفار ويقول إنكم لم تذنبوا، كما كان أبو هريرة: يقول لغلمان الكُتاب قولوا اللهم اغفر لأبي هريرة فيؤمن على دعائهم.

وذكر أن من أراد راحة البال وانشراح الصدر وسكينة النفس وطمأنينة القلب والمتاع الحسن فعليه بالاستغفار ومن أراد قوة الجسم وصحة البدن والسلامة من العاهات والآفات والأمراض والأوصاب فعليه أيضا بالاستغفار ومن أراد دفع الكوارث والسلامة من الحوادث والأمن من الفتن والمحن فعليه كذلك بالاستغفار.

الذرية الطيبة

وقال إن من أراد الغيث المدرار والذرية الطيبة والولد الصالح والمال الحلال والرزق الواسع فعليه بالاستغفار، ومن أراد تكفير السيئات وزيادة الحسنات ورفع الدرجات فعليه بالاستغفار مؤكدًا أنه هو الدواء والعلاج الناجح من الذنوب والخطايا.

وأشار إلى أن المولى عز وجل يرضى عن المستغفر الصادق لأنه يعترف بذنبه ويستقبل ربه فكأنه يقول: يا رب أخطأت وأسأت وأذنبت وقصرت في حقك، وتعديت حقوقك، وظلمت نفسي وغلبني شيطاني، وقهرني هواي وغرتني نفسي الأمارة بالسوء، واعتمدت على سعة حلمك وكريم عفوك، وعظيم جودك وكبير رحمتك فالآن جئت تائباً نادماً مستغفراً، فاصفح عني، وأعف عني، وسامحني، وأقِل عثرتي، وأقِل زلتي، وأمح خطيئتي، فليس لي رب غيرك، ولا إله سواك.

الإكثار من الاستغفار

وقال د. محمود إنه يستحب الإكثار من الاستغفار مهما أمكن دون تعيين عدد معين، فإن عيَّن العبد عددًا معينًا كوِردٍ له فلا بأس بذلك لفعل أبي هريرة، شريطة أن لا يعتقد أي فضيلة لهذا العدد الذي لم يرد في السنة، وكذلك أن لا يعتقد أن المداومة على هذا العدد سنة راتبة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما يفعل ذلك من باب ضبط الوقت وتعويد النفس والمواظبة على العمل الصالح.

وأوضح أن كون النبي صلى الله عليه وسلم كان يستغفر الله في اليوم مائة مرة أو أكثر من سبعين لا تعني تفضيل هذا العدد على غيره، ولا ينافي مشروعية الزيادة على ذلك لما ثبت من الأمر بالاستغفار في كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، إضافة إلى فعل بعض الصحابة والتابعين من الإكثار منه مع حرصهم الشديد على اتباع سنته صلى الله عليه وسلم والاقتداء به. والاستغفار يحصل بكل صيغة مشتملة على طلب المغفرة ويتعذر حصر صيغه، وأفضلها ما كان مأثورًا في السنة الصحيحة.

أعظم الذكر

وأشار إلى قول الإمام الحسن البصري رحمه الله : أكثروا من الاستغفار في بيوتكم وعلى موائدكم وفي طرقكم وفي أسواقكم وفي مجالسكم وأينما كنتم، فإنكم ما تدرون متى تنزل المغفرة. وكذلك قول الصحابي الجليل أبو هريرة رضي الله عنه: إني لأستغفر الله وأتوب إليه كل يوم ألف مرة. وقول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: طوبي لمن وجد في صحيفته استغفارًا كثيرًا.

وأكد أن الاستغفار من أعظم أنواع الذكر، ومعناه طلب المغفرة، من الله عز وجل مشيرًا إلى أن الاستكثار من الاستغفار سبب في ولوج أبواب الخير ومنه استجابة الدعاء لافتاً إلى قوله تعالى: «فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا» .

لايتقيد بعدد

وأشار إلى حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: «من لزم الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجًا، ومن كل ضيق مخرجًا، ورزقه من حيث لا يحتسب» رواه أبو داود عن ابن عباس رضي الله عنهما.

ونبه إلى أن الأصل أن ما جاء من أنواع الذكر مطلقا دون تقييد بعدد معين لا يشرع فيه التزام عدد معين؛ لما في ذلك من مضاهاة الشرع وإحداث صفة في العبادة لم ترد.