بقلم - أحمد ذيبان :

اكتشفت مؤخراً وجود تخصص أكاديمي اسمه «الأخلاق السياسية»، ولا أتمالك نفسي من الضحك عندما أسمع ذكرهذا المصطلح، وأشفق على الدكتور «محمد بن المختار الشنقيطي» الأستاذ في جامعة حمد بن خليفة في قطر، الذي يحمل هذا «اللقب» وكيف يستطيع تحمل تبعاته النفسية؟ لا أعرف الرجل شخصياً لكن أتابع ما يكتبه، وما يتحدث به خلال برامج وحوارات تلفزيونية، ومن الواضح أنه مفكر على قدر كبير من الأخلاق والعمق الثقافي.

نظرياً قد يكون ثمة «معايير أخلاقية» للعمل السياسي، لكن إسقاط ذلك على الواقع يبدو أقرب للخيال، فالعلاقة معقدة بين قيم الأخلاق المعروفة، مثل «الصدق والنزاهة والوفاء..الخ «، والوسائل اللازمة لتحقيق الأهداف السياسية، التي تعتمد غالباً على ممارسة الكذب والخداع، لكون السياسة تشكل بيئة خصبة لتحقيق المكاسب المادية وصفقات البزنس والامتيازات المعنوية والوجاهة والألقاب، وقد ساهم في تعزيز هذا السلوك طغيان وسائل الإعلام والاتصالات الحديثة ! ويمكن ملاحظة انحطاط العمل السياسي في تطورات أزمة الخليج و «الفجور في الخصومة»، الذي تمارسه دول الحصار ضد قطر! التي لم تكن تخطر حتى في بال كاتب سيناريو خيالي! إلى درجة أنه يتم في السعودية والإمارات، اعتقال وملاحقة دعاة ومثقفين وصحفيين «التزموا الصمت» ! أو عبروا عن تعاطفهم مع قطر في هذه الأزمة!

وقد تنبه إلى حقيقة تناقض السياسة مع الأخلاق مبكرا قبل 500 عام، الفيلسوف الإيطالي ميكيافيلي ولخص ذلك بمقولته الشهيرة «الغاية تبرر الوسيلة» في كتابه «الأمير» الصادر عام 1531، الذي أنكر فيه الفضائل الأخلاقية لتحقيق الغايات السياسية، وكان يؤمن «بوجوب تخلص الحاكم من الأخلاق والتقاليد والبدع والقيم الدينية، واستعمال الدين وسيلة لكسب الشعب فقط»!

وعودة إلى الدكتور الشنقيطي الذي يقول في أحد مقالاته إن «المساواة أمام القانون بين القوي والضعيف، وبين الحاكم والمحكوم هي التحدي الأكبر في السياسة» ويضيف: «إن استئثار الحاكم بالظلم -مع منعه الرعية من التظالم- أصبح هو المثل الأعلى في ثقافة المسلمين أحيانا» !

وهذا التشخيص يتفق مع التركيز في ثقافتنا وتقاليدنا العربية على «إطاعة ولي الأمر»، وتبرير الخضوع للحاكم وعدم الخروج على إرادته، والاستشهاد بالآية الكريمة: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ..». ويتم تجاهل مبدأ ارتباط الطاعة بالعدل، انسجاماً مع قول رسول الله «صلى الله عليه وسلم»: «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق» ! وما يزيد في تعقيد المشهد استعداد رجال دين لخلط الدين بالسياسة، لخدمة السلطة مهما كانت ظالمة وباغية، واستصدار «الفتاوى» التي تبرر ممارساتها، كتلك التي أصدرها بعض علماء الدين والهيئات الشرعية في السعودية ومصر، لتبرير الحصار على قطر! وقبل ذلك تبرر الانقلاب العسكري الدموي في مصر ضد رئيس منتخب ديمقراطيا؟

تجارب الدول، تؤكد أن ممارسة السياسة تحمل في طياتها «القاذورات السلوكية»، وربما أكثر ما يميز السياسيين هو «الكذب.. الكذب..والتدليس»، ويمكن رصد ذلك ببساطة عبر تصريحاتهم، وكيفية إدارتهم شؤون الناس اليومية! أو خلال مواسم الانتخابات التي يكثر فيها ممارسة الخداع والتضليل!

ليس هناك سياسيون «أطهار وآخرين أجناس»، وفقا لجنسياتهم وأصولهم ودينهم وعرقهم، لكن في الدول الديمقراطية المستقرة سياسيا، تشكل صناديق الاقتراع وتكريس مبدأ تداول السلطة من خلال الأحزاب السياسية، مخرجا للرد على كذب السياسيين واستبدالهم، عندما يفشلون في تحقيق برامجهم ويكتشف الجمهور خداعهم، وهذه ميزة مفقودة في الدول التي تحكمها أنظمة بوليسية وأبوية،أو تصل الى الحكم عبر الانقلابات العسكرية.

ففي الدول الديمقراطية يشكل تطور الثقافة السياسية والدستورية، ووجود آليات شفافة للانتقال السلمي للسلطة، كابحا لمغامرات الجنرالات، وكانت محاولة الانقلاب الفاشلة في تركيا العام الماضي، والانتفاضة الشعبية ضد الانقلابيين مؤشراً على ذلك، بعكس ما حدث في مصر عام 2013، حيث وجد الانقلاب العسكري ضد أول رئيس مدني منتخب ديمقراطياً من يؤيده ويصفق له!

 

صحفي وكاتب أردني

Theban100@gmail.com