بقلم / سامي كمال الدين - إعلامي مصري :

ابتسامته تحيي شعبًا، وقدمه تسعد أمم.. بساطته تسخر من أولئك الطغاة الذين يحترفون استعباد شعوبهم، وتهديفه يشعل بلادا بعضها بالسعادة وأخرى بالحزن.

كما يجيد اقتناص الهدف، يجيد اقتناص اللحظة المناسبة لالتقاط صورة فوتوغرافية أو فيديو له وهو في لحظة حب مع الله، أو بين يدي مصحفه على طائرة، لكن هناك أيضًا من أراد مشاركته اقتناص لحظاته، حتى لا يظن أنه المتحكم في نفسه وماله وحاله في هذا الكون.

أولئك الذين استعبدوا الناس، وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا، استعبدوا محمد صلاح، الذي رأيناه قبل أيام يقف بين يدي سفاح، يلتقط الصور والفيديوهات بابتسامة، قبلها بعام خيم على قلوبنا حزن يماثله، حين جاور السيسي في هنيهة من عمر الزمن أمام كاميرا التقطت له صوره معه، وفي خلفية الذاكرة التي تتفرج عليها، آلاف القتلى الذين تناثرت بقايا جسدهم في شوارع مصر، وعشرات الآلاف من المعتقلين في زنازينها بقرار من الذين يلتقط الصورة بجوارهم.

بقيت في القلب غصة، لكن محبته كانت تبرر له هذا اللقاء (أو قل تغلوش عليه)، تبرر له: قد يكون مجبرًا، قد يكون قليل المعرفة بالسياسة، لكن أبدا لم يستقر في القلب أن محمد صلاح يدعم الطغاة!

لكن وقوفه بين يدي رمضان قديروف سفاح الشيشان وفتى بوتين المدلل لم يكن له ما يبرره، فتحولت الغصة في القلب إلى جرح غائر، وصار القلب في نزاع بين ابتسامة محمد صلاح، ومقابلته بثاني سفاح في حياته.

تلعثم القلم وعجزت ورقة الكتابة عن احتواء الغدر من نجمها المحبوب البسيط، الذي امتلأت أغلب بيوت البسطاء بصوره، وكان لابد من وقفة تلوم ذلك المحب الذي غدر بنظرة من أحبوه له، وبتوضيح يقول فيه إنه يدعم الطغاة والقتلة، أو أنه فتى بسيط لا يفهم في السياسة ولا في تفسيرات السياسيين والمثقفين، وليس لديه إلا تلك القدم الساحرة، لكنه صمت.. وفي الصمت خذلان يا مو صلاح!

صمتت أبواق النظام إلا عن زيف ورياء وتبرير لإجرام اتحاد الكرة المصري، الذي اختار الاستيلاء على مليون ونصف المليون دولار نفقات إقامة المنتخب المصري في روسيا، مقابل أن يوفر سفاح الشيشان الإقامة والانتقالات والبدلات للمنتخب المصري، والمقابل استغلال سمعة صلاح ومحبة جماهير العالم له في تبييض سمعة قديروف!

صمت صلاح.. صمت النظام المصري.. خرس الكذبة من معلقين رياضيين، حتى جاءت الحقيقة من خارج مصر، التي يحجب نظامها كل حقيقة، ثم يلوم الشعب المصري الذي يتابع الحقيقة من إعلام مصري خارج مصر.

خرجت الإندبندنت تلطم وتندب وتكشف الحقيقة في تقرير فاضح عن ابتزاز نجومية محمد صلاح واستغلال حب الناس له، كاشفة سر تلك الصورة التي يجاور فيها صلاح السيسي بابتسامة مجهولة الهوى.

تدخل الإندبندنت إلى التصريح المباشر، مثل رصاصة لا تخجل في الإعلان عن مطلقها: «تم استغلال مو صلاح لغرض الدعاية لحكومات على غير إرادته، وهذا هو السبب الذي قد يجعله على حافة التخلي عن بلده في مثل هذه السن الصغيرة فيما لا يزال في بداية رحلته إلى الفضاء الرياضي العالمي».

وتضيف ما يصيبنا بالألم والكمد: «تم استخدام «صلاح» بلا شك كأداة دعائية من قبل «قديروف» أثناء إقامته في غروزني، حيث أيقظه الرئيس الشيشاني في فندق الفريق ليصحبه في جولة في المدينة، ومنحه «الجنسية الشرفية» في حفل عشاء خلال عطلة نهاية الأسبوع، وهذا أمر منطقي، فمن هو الزعيم الذي لا يريد الاستفادة من شعبية أيقونة رياضية؟»

لطالما فعل السياسيون والديكتاتوريون ذلك طالما كانت هناك رياضة، من «موسوليني» إلى «توني بلير»، لكن هذا لا يعني أن «صلاح» متصالح مع ذلك، وحقيقة أن الاتحاد المصري لكرة القدم اختار غروزني كقاعدة للفريق، وكان متواطئاً في الترويج لصور «قديروف» و«صلاح»، تشير إلى أن هذا جزء من استراتيجيتهم الخاصة بقدر ما هي استراتيجية «قديروف».

ثم تكشف الإندبندنت الجريمة مكتملة الأركان التي ارتكبها نظام السيسي، التي تجعل من كل موهبة مصرية تموت في مهدها: «قبل ذلك ببضع سنوات، في عام 2014، تم تهديد «صلاح» بالخدمة العسكرية بعد أن تم إلغاء إعفائه بعد انتقاله إلى تشيلسي، كما تم إخبار «صلاح» بأن عائلته التي لا تزال تعيش في مصر، لن يُسمح لها بمغادرة البلاد إذا لم يُذعن، وفي النهاية، تم تجديد الإعفاء، ولكن بعد أن تم تصوير «صلاح» وهو يتلقى الشكر من الرئيس «السيسي» لتقديمه تبرعًا سخيًا إلى صندوق «تحيا مصر»، الذي تم إنشاؤه في نفس العام».

نظام احترف سرقة كل فرحة، وكل نجاح داخل وخارج الحدود، جسد نظام ملوث يقتات على أجساد خرجت من منظومته، فأعادها إليه بالتحكم في مصير أهلها وتابعيها.

هذه ليست هزيمة لمحمد صلاح الذي اعتاد على الانتصار والتهديف، قدر ما هي هزيمة لملايين من شباب الشعب المصري، الذين أصيبوا بالإحباط، فهم مقهورون داخل أوطانهم، وإذا خرجوا ونجحوا وأبهروا العالم خارجها، يجذبهم النظام ليقهرهم داخلها، وكأن القهر توأمنا الذي نزل معنا في مشيمة واحدة.

@samykamaleldeen