بقلم - منى عبد الفتاح: لم يمنع الحصار دولة قطر من أن تنشط على المستوى الثقافي وتبلغ رسالة شعبها كبلد مستنير يتواصل مع الآخرين رغم كل المعيقات والظروف. وعندما دخلت قطر الترشّح لرئاسة اليونسكو فذلك لتجربتها الرائدة في التربية والتعليم والثقافة، فقد ظلت تحقّق على الدوام نتائج ممتازة، حتى باتت من بين أفضل الدول في هذا المجال على الصعيد العالمي. تركت تجربة الدكتور حمد بن عبد العزيز الكواري وزير الثقافة القطري السابق بين 1992 و1997م في ترشّحه لمنصب مدير عام منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو» أثراً طيباً ينمّ عن الروح الرياضيّة التي سادت الترشيح بينه وبين المرشحة الفرنسية أودري أزولاي وزيرة الثقافة الفرنسية السابقة، بعد أن خرجت المرشحة الدبلوماسية المصرية مشيرة خطّاب من المنافسة في جولة الفصل الحاسمة بينهما بحصولها على أدنى الأصوات.

اقترب الكواري من الفوز ولو وصل إلى هذه النتيجة كان سيكون أول عربي يتولى رئاسة اليونسكو منذ تأسيسها في نوفمبر 1945م، ويُحمد للكواري وقطر تأكيدهم أنّ الانتخابات تمّت في أجواء نظيفة وبصورة نزيهة، ولكن الإعلام المصري يأبى إلّا أن يذرّ الرماد في العيون. فمنذ ما سبق التأهل الفرنسي القطري المتقارب اعتمد الإعلام المصري السلطوي بألّا يتعامل بذات الروح الطيّبة وواصل في تسميم الأجواء وإلقاء اللوم على كل من ناصر قطر في ترشّحٍ حرّ لا ينبغي أن تدخل التكتلات السياسية كقوة محرّكة فيه بواسطة أبواق الإعلام. فالمهمة العالمية لليونسكو لا تحتمل الخروج عن أهدافها الداعية إلى بناء السلام والأمن الدوليين في مواجهة الكراهية والعنف، عبر الدفاع عن حقوق الإنسان والكرامة الإنسانية.

 كان إيمان الكواري وبلده الذي حمله معه هو أنّ اليونسكو هي ضمير العالم وتمثل الأهداف الأكثر نبلاً ويجب إعادتها مجدداً لمنظمة قوية قادرة على خدمة المجتمع الدولي. وبالرغم من فوز المرشحة الفرنسية برئاسة اليونسكو إلّا أنّ الطريقة التي خاضت بها قطر التجربة تنمّ عن حكمة وحنكة ومقدرة وروح عالية واثقة، وتعكس في جانبها الآخر عدم اتفاق العرب على كلمة سواء. فالخاسر هنا لم تكن قطر وإنّما هم العرب الذين وقفوا ضدّها كدولة عربية في التصويت في المنظمة.

وهذه الأهداف توجّه صوت إدانة لإعلان الولايات المتحدة الأمريكية انسحابها من المنظمة الدولية اعتباراً من 31 ديسمبر 2018م مع السعي لأن تكون مراقباً دائماً في المنظمة بدلاً من كونها عضواً. وكان بيان المنظمة قد ذكر أنّ الولايات المتحدة لديها مخاوف تتمثل في تزايد ديون اليونسكو وضرورة إجراء إصلاحات جذرية في المنظمة واستمرار الانحياز ضد إسرائيل في اليونسكو. وهذا الانسحاب يُعيد إلى الأذهان الانسحاب السابق للولايات المتحدة من اليونسكو في عامي 1984م و2003م، كما علقت عام 2011م مساهماتها المالية الكبيرة التي كانت تخصّصها لليونسكو احتجاجاً على قرار منح فلسطين عضوية كاملة بالمنظمة.

أكثر ما يثير الاستغراب هو موقف إسرائيل التي قررت هي أيضاً الانسحاب حيث أيدت القرار الأمريكي ووصفت اليونسكو بأنّها أصبحت مسرح عبث لأنّها لا تحافظ على التاريخ وإنّما تشوّهه. لم تدرك إسرائيل بعد أنّ العبث الحقيقي هو الذي جعل لها الجرأة في الحديث عن التاريخ الذي من المفترض أن يثبت حقوق الفلسطينيين في أرضهم المستلبة.

 ولم ينتهِ هذا المشهد الثقافي العالمي، إلّا وكانت قطر تتزيّ بثقافتها وعلومها وأدبها في محفلٍ آخر هو معرض الخرطوم الدولي للكتاب في دورته الثالثة عشرة على ضفاف نهر النيل الخالد، عابرة على جسر المحبة والمعرفة إلى خرطوم اللاءات الثلاثة. وهي هي ذات الخرطوم التي تريد إدراك معنى الأخوة العربية من خلال منظار السياسة الضيّق وإنّما مدخلها لذلك سيظلّ هو الثقافة. كما ظلت الدوحة هي الدوحة على مرّ الزمن تشعّ علماً وثقافة وأدباً وتعتبر من أهم المحطات التي احتوت أدباء عرباً أفذاذاً من بينهم الأديب السوداني العالمي الطيب صالح. كما احتفت الدوحة قبل المعرض بجائزة كتارا للرواية العربية على مستوى واسع. وأقامت المؤسسة العامة للحي الثقافي «كتارا» معرضاً خاصاً عن الطيب صالح تكريماً له بالنظر لمكانته الرمزية الكبيرة في المنجز السردي العربي والعالمي، إذ إن أعماله ترجمت لعشرات اللغات العالميّة وتمّ افتتاح المعرض تحت اسم «الطيب صالح.. عبقري الأدب العربي».

هذه هي قطر التي يعرفها العالم تهزم السياسة بالثقافة ويكون أبناؤها في موضع الذوق والخلق الحسن حين يتعمّد الآخرون الإساءة.

كاتبة سودانية