بقلم : باسم توفيق ..
حينما حددت الفلسفة مهام الفن وماهيته جعلت منه محاكاة للطبيعة ثم محاكاة لكل ما يتبع هذا الموضوع من حيث محاكاة الفن للشخصيات والمواقف والأشكال على اعتبار أن هذه الأشياء جميعا تشكل الأجزاء الرئيسية لمصطلح طبيعة .

 ثم بعد أن تطورت وتنوعت قضايا الفن بشكل مطرد ومع تطور حاجات وإشباع هذه الحاجات بالنسبة للكائن البشري من الناحية الفكرية والفنية تعدت حدود المحاكاة بالنسبة للفن وأصبحت ايضا تضم موضوع التعبير عن الذات او كما يقول العالم النفسي توماس يونج ( الحاجة الى تمثيل الذات فعليا واستخراج مكنوناتها سواء الواضحة اوالمستترة منها على اعتبار أن الجزء الأكثر تأثيرا هو هذا الجزء المستتر والذي قد نطلق علية اصطلاحا اللاوعي ) وبالنسبة للاوعي على حد تعبير يونج يعتبر هو أهم المحركات الدافعة لتحفيز الفنان على المضي قدما في مشروعه الفني بحيث يجد نفسه مدفوعا بقوة غامضة للتعبير عن شيء ما قد لا يستبين كنهه في باديء الأمر ثم بعد ذلك حينما يتم عمله قد يكتشف أن هذه القوة الدافعة كانت بسبب انفعاله بحدث ما او هاجس ما في منطقة اللاوعي ومن هنا نشأت نظريات كثيرة تتناول العمل الفني ومنظوره النفسي سواء من ناحية التذوق او من الناحية النقدية فالبعض قد يتساءل على أساس يتم قراءة العمل الفني وخاصة البصري على اعتبار انه أكثر صعوبة من العمل الفني المكتوب لأنه قد يستخدم لغة خاصة جدا تخاطب العين والحواس .

إن بول جوجان والذي يحسب له العديد من الرؤى الطليعية في الفن التشكيلي كان ابن جيل كبير كان همهم الاول التعبير عن الذات بكل وضوح وصراحة والبعد عن التكلف اللوني والتكويني للوحة التشكيلية ولا ننكر أن المدارس الطليعية في الفن التشكيلي والتي كانت نواة الحداثة فيما بعد كانت بدايتها هذه الحقبة الطليعية الشديدة التميز في تاريخ الفن التشكيلي وحيث ظهرت الانطباعية التي انتهجت أسلوب التعبير من خلال الانطباع الشخصي لدى الفنان والتي ايضا قد يصفها البعض أنها تتخذ من أسلوب حركة الفرشة واتجاهاتها مكونا رئيسيا للعمل الفني والتي كان من اساطينها الشوامخ الفنان الهولندي فان جوخ والذي كان صديقا حميما لبول جوجان بل وجمعم الزمان للعيش سويا في فترة اثرت في كل منهما بحيث نجد أن فان جوخ ترك تأثيرا كبيرا في جوجان بشكل لا نستطيع إنكاره وهذا ما دفع العديد من النقاد ان يعتبروا بول جوجان أحد فروع الانطباعية والتي أطلقوا عليها ( المدرسة الوحشية ) وبالطبع نحن ضد هذه التسمية التي قد تعطي إيحاءً فوضويا لهذه النزعة الفنية بحيث قد يتبادر الى الذهن أنها نزعة تسير بدون أي مقاييس او ثوابت وهذا بالطبع ليس صحيحا .

ومن هنا نستطيع ان ندلف لعوالم جوجان الغريبة والآخاذة ايضا ويجب أن نؤكد بداية أن جوجان فنان ذو خواص متميزة وغريبة ومن الممكن أن نقول إن انشغال الفنانين التشكيليين باكتشاف آفاق شديدة التميز هذا ما قد ينطبق على جوجان ايضا لكن من منظور مختلف جدا حيث إن جوجان كان ينفذ منهجا شديد الغرابة حيث إنه مل الحياة المتكلفة والشديدة البهرجة في باريس ومن هنا بدأ في تنفيذ مخططه الفني لتنقية أسلوبه الفني حيث بدأ في اكتشاف بربريته ككائن أرضي يشكل جزءا من الطبيعة ولن يتأتى ذلك إلا من خلال التوحد مع هذه الطبيعة والبحث عن بكورتها المختفية وراء بدائية التكوين من هنا رحل جوجان لأول مرة من باريس حيث شارك الفنان الهولندي فان جوخ في معزله في احدى قرى الجنوب الفرنسي وبعد أن أصبح من الصعوبة الحياة مع فان جوخ الذي اصبحت تهاجمه العديد من نوبات الجنون رحل جوجان للمرة الثانية لكن هذه المرة نحو المجهول نحو الطبيعة البكر في جزيرة تاهيتي إحدى جزر المحيط الحارة وقفز جوجان الى عالمه الذي حلم به منذ فترة طويلة من هنا بدأ جوجان البربري المرتد على المجتمع المتكلف والشديد العشق لحرارة نساء تاهيتي وغاباتها .

ولد بول جوجان في السابع من يونيو من عام 1848 وأقام في ليما (بيرو) من عام 1851وحتى عام 1855، وقد خدم في قوات المارينز من 1865 وإلى 1871، وكان جوجان يعمل كمضارب في البورصة في باريس و إلى جانب ذلك كان يعشق الرسم .

بدأ جوجان العمل بجوار ( كاميل بيسارو ) و بدأ يظهر في مختلف المعارض الانطباعية و ذلك ما بين 1879 و حتى 1868.

ويعتبر بول جوجان من أهم فناني المدرسة التأثيرية عاش متنقلا بين باريس وبيرو وعمل بالتجارة فتجول في بلاد عديدة أثرت على تشكيله الفني ووجدانه قبل أن يعود ليتزوج ويستقر في باريس.
وبعد انهيار البورصة في باريس ،كان جوجان وقتها في الرابعة والثلاثين قرر أن يترك التجارة وأعمال السمسرة التي كان يمارسها ليتفرغ للفن وسافر لبلاد كثيرة منها جزر الكاريبي وتاهيتي ومناطق كثيرة من المحيط الأطلنطي وقد ظهرت تأثيرات هذه المناطق الاستوائية في لوحاته .

في العام 1891 سافر جوجان في رحلة إلى تاهيتي لعرض لوحاته للبيع وذلك لكسب المال .
من تاهيتي راح جوجان يراسل أصدقاءة في باريس طالباً منهم المعونة المادية، بما يساوي 40 دولاراً شهرياً ليعيش ويرسم، غير أن هذه الفكرة لم تلقَ ترحيباً يذكر، فطلب إليهم بيع لوحاته المعروضة بأي ثمن، فكان يصله بين الحين والآخر مبلغاً ضئيلاً من المال، حتى ضاق ذرعاً بالحياة، وحاول الانتحار أكثر من مرة، ولكنه لم ينجح في الموت كما الحياة، فعمل كاتباً في عاصمة الجزيرة، بينما كان يتفرغ للرسم بالاتفاق مع (فولار) أحد تجار اللوحات، ويبدو أن تمرده ظل ملازماً له حتى في تلك الجزيرة النائية، فحكمت عليه السلطات هناك في عام 1903م بالسجن والغرامة، بسبب شجاره مع الشرطة ورجال الحكم لسوء معاملتهم الأهالي، وقبل أن يستأنف الحكم، اشتد عليه المرض وتوفي في مايو سنه 1903م، وحيداً لا يقف بجانبه أحد، فحطم رجال السلطة كوخه البسيط، وباعوا مخلفاته كتعويض للغرامة التي لم يتمكن جوجان من دفعها، إلا أن فولار تاجر اللوحات عمل في هدوء على شراء كل ما أمكنه العثور عليه من آثار جوجان، فجنى بعد ذلك ثروة طائلة.

وفي يناير من عام 1898 فشل جوجان في محاولة انتحاره، و ذلك بعد الانتهاء من لوحاته الأخيرة.. من أين أتينا ؟ ... ماذا نحن ... و إلى أين نحن ذاهبون؟ .
في عام 1899 كتب في جريدة سياسية في تاهيتي ، وكتب عن الفنانين التشكيليين الفرنسيين .و في عام 1901 انتقل جوجان إلى ماركيسوس حيث مات هناك في 8 مايو عام 1903 ...
في عام 1901م أقيم معرض كبير لأعمال فان جوخ كان يندرج في فترة من فتراته الفنية تحت المدرسة الانطباعية وفي عام 1903م أقيم معرض آخر لأعمال جوجان، فأثار هذان المعرضان اهتمام جماعة من الشباب الفنانين، وفي باريس 1906 أفرد صالون الخريف (معرض كان يقام في باريس لعرض أعمال الفنانين) قاعة خاصة لأعمال هؤلاء الشباب، وقد بلغت جرأتهم في استخدام الألوان والتعبير بها أن أطلق ناقد على هذه القاعة اسم قفص الوحوش ( Fauves )، ومن ثم أصبح يعرف اتجاه هذه الجماعة باسم الوحشية (Fauvisme ) .

وفي الوقت الذي ظهرت فيه الوحشية في فرنسا ظهرت في ألمانيا الحركة التعبيرية متأثرة أيضًا بجوجان وفان جوخ، وأقوى تأثيرًا بالتراث القوطي بتهاويله وأشباحه وتخيلاته الموحشة الغربية.
والتعبيرية نقيض الانطباعية، فالانطباعية تعتمد على الإحساسات البصرية والانطباع الأول عن كل ما يقع عليه بصرك ، أما التعبيرية فتنبع من انفعال باطني أي تأثرك بحدث أو بشيء ما وانفعالك به ، وإذا نظرنا الآن في تطور الفن الأوروبي منذ واقعية أواسط القرن التاسع عشر حتى ظهور هذه الاتجاهات الجديدة نجد أنه يشبه إلى حد ما تطورًا آخر حدث في ميدان العلم وهو الانتقال من مفهوم الكتلة أو المادة إلى مفهوم الطاقة، فالفنان لا يصف أشياء وإنما يعبر عن معان نفسية أو ذهنية.

جوجان يعتبر: رائد الفن الرمزي الذي يسعى ليجعل دنيا الواقع ودنيا الخيال يتواءمان. لقد أعلن الثورة على التجسيم وقال بصراحة: إن الغلطة الكبرى هي الفن الإغريقي مهما يكن جماله !
وكان ينصح أتباعه بدراسة فنون التصوير الأخرى، كما ينصحهم بعدم الرسم من ( الموديل ) حتى لا يقيدوا مشاعرهم بالمظاهر الحسية؛ لأن الفن تجريد - على حد تعبيره- أي ينبع من ذهن الفنان وخياله وليس صورًا منسوخة.