كتب - نشأت أمين:

أكد فضيلة الداعية د. محمود عبدالعزيز أن غيرة الرجل على أهله من مكارم الأخلاق التي أقرها دين الإسلام الحنيف، مشيراً إلى أن الغيرة في العلاقة الزوجية شعور طبيعي يحافظ على كيان الأسرة وتماسكها.

وأوضح أن الغيرةَ سلاح ذو حدين، حيث إن القليل منها يضبط العلاقة بينما الكثير منها يفسدها ويعجل بانتهائها مبيناً أن هناك حدوداً بين الغيرة المحمودة وبين الشكوك والأوهام التي تسيطر على عقول بعض الرجال وتدفعهم إلى ارتكاب حماقات ضد زوجاتهم أو العكس.

وأضاف: الواقع يؤكد لنا أن بعضَ الأزواج والزوجات لا يفرقون بين الغيرة المعتدلة التي حثّ عليها الإسلام، والتي من دونها تصبح حياة الزوجين باردة، وبين الغيرة الحمقاء التي تصل إلى الشك في كثير من الأحيان لتقضي على كلِ مشاعر الحب والمودة والعشرة الطيبة .

وشدد على أن الإسلام يحث على الغيرة المعتدلة وينهى عن سوء الظن والتجسس، لافتاً إلى أنه من المفترض في الزوج أن يكون غيوراً على زوجته، لكن هذه الغيرةَ لا يجوز أن تتحول إلى ملاحقات ومطاردات وظنون.

وأوضح أن الغيرة المعتدلة من الأمور المحمودة التي تؤكد عمق العلاقة بين الزوجين، لذا ليس على المرأة حرج في أن تغار على زوجها وتتابع تحركاته وسلوكياته، لكن لا بد أن يحدث ذلك في حدود الاعتدال وعدم الشك، لأن الشك يدمر الحياة الزوجية .

وبين أنه كانت هناك غيرة في حب رسول الله صلى الله عليه وسلم بين زوجاته، وكان يقول عن أمنا عائشة رضي الله عنها غارت أمكم، وقال صلى الله عليه وسلم لأحد الأزواج من أصحابه الكرام : « إنك لتغار، وإني لأغيّر منك والله أغيّر مني» وأضاف د. محمود: هذه إشارة من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى وجوب غيرة الزوج على زوجته، لكن ينبغي أن يفهم الرجل أن حدود الغيرة لا يمكن أن تصل إلى سوء الظن والاستسلام للأوهام.

ثقة متبادلة

وقال إنه لا بد أن يكون بين الزوجين ثقة متبادَلة، لأن كلاً منهما اختار الآخر ومال إليه وقرر أن يعيش معه وأن يتعاونا معاً على البر والإصلاح ولا يرى الشرع عيباً في سلوك الرجل الذي يغار على زوجته أو أخته أو ابنته، وذلك انطلاقاً من قول الله تعالى في تصوير العلاقة الزوجية: «هن لباس لكم وأنتم لباس لهن» ، وقوله: «ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف «.

الغيرة المشروعة

وذكر أن وجودُ الشك بين الزوجين يرجع إلى ضعف الوازع الديني وعدم التفريق بين الغيرة المشروعة والمذمومة التي تصل إلى حد الشك في السلوك والأخلاق.

وشدد على أن الغيرة بالنسبة للرجال والنساء من جملة الأمور المحمودة شريطة الاعتدال فيها وأن تكون في موضعها، والمعاشرة بالمعروف تقتضي ذلك، ويجب على كل من الزوجين أن يقدر غيرة صاحبه عليه.

ونبّه إلى أنه يجب الحذر من الشك والمغالاة، مشيراً إلى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن يطرق الرجل أهله ليلاً يتخونهم ويطلب عثراتهم، مضيفاً أن علياً بن أبي طالب رضي الله عنه كان يقول: «لا تكثر الغيرة على أهلك فترمى بالسوء من أجلك».

حياة الرسول

وأشار د. محمود إلى عدد من صور غيرة الزوجة على زوجها في حياة النبي صلى الله عليه وسلم مستشهداً بما روى أنس رضي الله عنه حيث قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم عند بعض نسائه فأرسلت إحدى أمهات المؤمنين بصحفة فيها طعام، فضربت التي كان النبي صلى الله عليه وسلم في بيتها يد الخادم، فسقطت الصحفة، فانفلقت، فجمع النبي صلى الله عليه وسلم فلق الصحفة، ثم جعل يجمع فيها الطعام الذي كان في الصحفة، ويقول:» غارت أمكم». ثم حبس الخادم حتى أتي بصحفة من عند التي هو في بيتها ، فدفع الصحفة الصحيحة إلى التي كسرت صحفتها، وأمسك المكسورة في بيت التي كسرت.

كما سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عائشة يوماً : « أغرت ؟ فتعجبت وقالت: ومالي أن لا يغار مثلي على مثلك».

غيرة عثمان

واستشهد د. محمود بنماذج من غيرة الزوج على زوجه من حياة الصحابة رضي الله عنهم، مشيراً إلى غيرة عثمان بن عفان رضي الله عنه وأنه عندما دخل الثوار عليه رضي الله عنه نشرت زوجته نائلة شعرها، كأنها تستنصر بمروءة هؤلاء الثائرين. فصرخ فيها عثمان وهو يقول: خذي خمارك فلعمري لدخولهم عليَّ أهون من حرمة شعرك. وذكر أن الرجل يغار على زوجه غيرة يصونها بها ويحفظها من كل ما يخدش شرفها ويمتهن كرامتها.

وأشار أيضاً إلى غيرة ابن عمر رضي الله عنهما، مبيناً أنه عن ابن أبي مليكة أن ابن عمر رضي الله عنهما سمع امرأته تكلم رجلاً من وراء جدار بينها وبينه قرابة لا يعلمها ابن عمر فجمع لها جرائد ثم ضربها حتى أضبت حسيساً.

غيرة معاذ بن جبل

ولفت إلى غيرة معاذ بن جبل رضي الله عنه قائلاً: ذكر الخرائطي عن معاذ بن جبل رضي الله عنه أنه كان يأكل تفاحاً ومعه امرأته فدخل عليه غلام له فناولته تفاحة قد أكلت منها فأوجعها معاذ ضرباً.

وأشار إلى غيرة سعد بن عبادة رضي الله عنه مستشهداً بقوله رضي الله عنه: «لو رأيت رجلاً مع امرأتي لضربته بالسيف غير مصفح، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « أتعجبون من غيرة سعد لأنا أغيّر منه، والله أغيّر مني « .

وأوضح أن سعد بن عبادة كان شديد الغيرة فلم يتزوج إلا بكراً وما طلق امرأة وقدر أحد أن يتزوجها.

مظاهر الغيرة

وقال إنه من أجل أن يكون المجتمع نظيفاً، فقد أمر الإسلام بعدد من الأوامر والنواهي، ليحفظ هذا المجتمع طاهراً نقياً ، وتصبح مظاهر الغيرة فيه جلية واضحة، ومن ذلك أن الله عز وجل فرض على المسلمات ستر مفاتنهن وعدم إبداء زينتهن كما حرم الإسلام الدخول على النساء لغير محارمهن وحرم الخلوة بهن كما أوصى بالحياء وفي هذا الشأن: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الْحَيَاءَ مِنْ الْإِيمَانِ». وقال: «الْحَيَاءُ خَيْرٌ كُلُّهُ».

وأكد أن من مظاهر حماية الإسلام للأعراض وحرصه عليها أن جعل من قتل فداء للعرض شهيداً، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وَمَنْ قُتِلَ دُونَ أَهْلِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ» كما أمر الإسلام بغض البصر وبعدم خضوع المرأة بالصوت.