العالم في حالة غضب شديد على كوريا الشمالية بسبب تجربتها النووية الأخيرة، لكن العالم لا يسأل عمن يدفع كوريا لاستئناف تجاربها الصاروخية البالستية، وتجاربها النووية بسرعة أكبر من السابق؟.

كما لا يسأل العالم عن سبب تزايد التوترات والأزمات في أكثر من بلد ومنطقة مما يهدد بإشعال المزيد من التسلح، وربما الانزلاق إلى مزيد من الحروب المدمرة.

الإجابة هي ترمب، الرئيس الأمريكي الذي نجح بامتياز خلال سبعة أشهر فقط من رئاسته في جعل العالم أسوأ مما كان عليه في عهد سلفه أوباما، جعل العالم فوضويا، مثل الفوضى التي تضرب إدارته مسجلة رقما قياسيا في عدد الإقالات والاستقالات منها.

ليس الخارج فقط الذي ينفخ ترمب في رماده ليشعل نيراناً كانت خامدة تحته، وكان يمكن مواصلة إطفاؤها، ونشر السلام ليضيف نقاطاً مضيئة إلى سجله، إنما الداخل الأمريكي صار أشد قتامة في عهده، وبروز المتطرفين من اليمين القومي والنازيين الجدد في أحداث مدينة تشارلزفيل يوحي بأن رماد الماضي في هذا البلد قابل للاستيقاظ في أي لحظة على أيدي من جاء ينفخ فيه.

لننظر على خريطة العالم ونرى ماذا فعل ترمب فيها خلال فترة قصيرة جداً.

اشتعل الوضع مع كوريا الشمالية، وانطلقت في تطوير سلاحها المدمر والمخيف لجوارها في كوريا الجنوبية واليابان وتهديداتها وصلت أمريكا ذاتها، وكان أوباما قد بدأ معها سياسة التهدئة، وكان يمكن لهذه السياسة أن تستمر وتكون مفيدة في إحلال السلام في شبه الجزيرة الكورية، لكن ترمب لم يشأ إلا التصعيد، لست أدافع عن نظام كوريا الشمالية فهو ديكتاتورية موغلة في التوحش، لكن حلول القوة معه ستكون مدمرة.

نجح أوباما في احتواء مخاطر البرنامج النووي الإيراني، ووصل لاتفاق مهم مع طهران عبر دول 5+1، وبدأت عملية تطبيع غربية معها بعد وضع برنامجها تحت السيطرة، ولم يعد هناك قلق إقليمي ودولي كبير منه، فقد صار تحت الأضواء، وخضع لاتفاق ملزم، لكن جاء ترمب ليضع إيران مع كوريا الشمالية على رأس قائمة الأعداء، وهذا جعلها تشعر بالقلق، وبالتالي تتجه لرفع ميزانية الدفاع، وتنطلق في تطوير منظومتها الصاروخية،أتصور أن توجهات أوباما في الاحتواء كانت أكثر جدوى من تصعيد ترمب.

ألغى ترمب سياسة التقارب مع كوبا وأعاد العلاقات إلى منطقة ما قبل تبادل البعثات الدبلوماسية وإعادة فتح السفارات، وهو تصرف يعكس فقدان الحس السياسي، مثلما هدد فنزويلا بعمل عسكري على خلفية أزمة داخلية فيها بين النظام والمعارضة، ومن الجيد أن يكون لواشنطن صوت ضد قمع الأنظمة للمعارضة، وانتهاك حقوق الإنسان، وليس التهديد بالحرب، وإذا كان ينتقد الأوضاع السياسية في فنزويلا فعليه أيضاً أن يعمم ذلك على الأنظمة المستبدة الحليفة له التي تلغي الديمقراطية، وتصادر الحريات، وتنكل بالمعارضين، وتلغي حقوق الإنسان، فالكيل يجب أن يكون واحداً، وليس بمكاييل مختلفة على حسب درجة المصالح الأمريكية مع هذا النظام أو ذاك.

كانت منطقة الخليج العربي في حالة هدوء حتى لو كانت هناك أشياء تحت السطح، وخلافات كامنة في بعض السياسات الخارجية لعدد من دولها، لكن بعد دخول ترمب البيت الأبيض فإن أخطر أزمة اشتعلت في دول الخليج، وهي دخلت شهرها الرابع بلا أفق في الحل، وبدل أن تكون واشنطن عامل تهدئة وإزالة أي تناقضات بين حلفائها دون أن يظهر ذلك على السطح ويعرض المنطقة لمخاطر جمة فإن ترمب كما لو كان يريد إطالة أمد الأزمة لأسباب ومصالح خاصة بإدارته.

يتسبب ترمب أيضا في توتير العلاقات مع الجارة المكسيك بالجدار الذي يريد بناءه وتحميلها كلفته، كما يهاجم الاتحاد الأوروبي حليفه الأول في العالم، وبدا كأنه يشجع على تفكيكه وخروج دول أخرى منه على غرار بريطانيا، وتصريحاته أقلقت اليابان وكوريا والأوربيين بما يطلبه من ثمن الحماية لهم.

وها هو يزيد عدد القوات في أفغانستان رغم ثبوت فشل الحل العسكري في هذا البلد وعدم تحقق السلام والأمن والاستقرار فيه طوال 15 عاماً، وكان أجدر به أن يسعى للسلام الجاد، وليس إغراق البلد المنكوب في مزيد من الدماء والنار والخراب.

ومن عجائب ترمب أن الملف الذي كان متحمساً له وهو تعزيز العلاقات مع روسيا يتحول إلى أشد إخفاقاته، ويصير عامل تهديد لرئاسته عبر التحقيق في تدخلها بالانتخابات علاوة على أن العلاقات ساءت بين البلدين في عهده كما لم يحدث من قبل حتى أصبحت أقرب لما كانت عليه خلال الحرب الباردة.

العالم فقد أوباما حتى لو كان ضعيفاً ومتردداً، وجاء بعده من يدفع العالم إلى حافة الهاوية.

كاتب وصحفي مصري

tmyal66@hotmail.com