• رئيس حكومة ولاية بافاريا يعنفها علناً خلال مؤتمر حزبي
  • الائتلاف الحاكم معرض للانهيار في أي وقت

برلين -الراية: السؤال الذي طرحته مجلة "دير شبيجل" الألمانية على موقعها الإلكتروني في نهاية نوفمبر المنصرم، كان محقاً، وجاء فيه: ميركل تحارب على كافة الجبهات، مهمة الجيش الألماني الجديدة في سوريا ضد تنظيم داعش، المفاوضات مع تركيا حول وقف تدفق اللاجئين إلى الاتحاد الأوروبي، والخلاف داخل الاتحاد المسيحي مع شريكها هورست زيهوفر، رئيس حكومة ولاية بافاريا، بسبب نهجها تجاه اللاجئين، وشكوى الألمان من عدم وجود خطة لوقف سياسة الأبواب المفتوحة وإدماج نحو مليون لاجئ سيدخلون ألمانيا بنهاية العام، بالإضافة إلى ما سببه موقفها من انقسام داخل الاتحاد الأوروبي، حيث لم تنجح في إقناع 28 دولة تنتمي للاتحاد لتقاسم أعداد اللاجئين وتخفيف الأعباء عن الدول التي تتحمل القسط الأكبر مثل السويد وألمانيا.

كل هذه القضايا مجتمعة، أصبحت عبئاً كبيراً على المستشارة الألمانية التي مرّت عشرة أعوام على وصولها لهذا المنصب، وكان كثيرون يعتقدون أنها سوف ترشح نفسها لولاية رابعة، لكنها أصبحت تواجه تحديات سياسية كبيرة، ولأول مرة منذ تقلدها منصبها، وطالبت أصوات في الحزب المسيحي الديمقراطي الحاكم الذي تتزعمه منذ عام 2000، بتنحيها عن منصبها.

وهكذا أصبحت ميركل مجبرة على تغيير نهجها السياسي، وقالت أمام البرلمان الألماني مؤخراً: لم نكن نعرف أن الأحداث في حلب وإدلب سوف تنعكس على الحياة في شتوتجارت وبرلين وإيسين. بمعنى آخر، أن ميركل أقرت أن الأزمات والحروب في منطقة الشرق الأوسط، أصبح لها انعكاسات مباشرة على ألمانيا، وربما على مستقبلها السياسي. غالباً ما تراكمت أزمات وتحديات على مستشار ألماني مثل ما يحدث منذ أكتوبر الماضي، حين وافقت ميركل على فتح الحدود الألمانية أمام آلاف اللاجئين الذين غالبيتهم من السوريين، وهو قرار إنساني لكنه لم يعد يحظى بتأييد واسع، حيث سرعان ما توقفت صور المواطنين الألمان وهم يستقبلون اللاجئين على الحدود بزجاجات مياه الشرب والشوكولاته وألعاب الأطفال، ويعيش غالبيتهم في الشتاء القارس، داخل صالات الرياضة التابعة للمدارس وفي خيم، وكل يوم تتحدث وسائل الإعلام المحلية عن أحداث عنف وشغب في مساكن اللاجئين، حيث سقط قتلى وجرحى، وحسب قول أحد موظفي منظمات الإغاثة التي تشرف على اللاجئين، فإن الحياة في مكان ضيق، تؤثر سلباً على نفسياتهم بعد كل ما عانوه في طريقهم الشاق والطويل إلى ألمانيا، حيث العيش في صالات الرياضة وخيم يجعلهم يتساءلون هل هذه هي أوروبا؟

وكانت ميركل قد أبدت بسالة في مواجهة أزمات عصفت بأوروبا قبل الأزمة السورية وظهور داعش، مثل الأزمة المالية وأزمة اليورو وأزمة ديون اليونان، وقد ساعدها نهجها في كسب ثقة الناخبين الألمان عندما انتخبوها في منصبها للمرة الثالثة في سبتمبر 2013، دون أن تكون قد خاضت حملة انتخابية. وحين ظهرت قبل الانتخابات مع منافسها الاشتراكي بير شتاين بروك، وجهت رسالتها للناخبين الألمان : أنتم تعرفونني.

فخلال السنوات التي تلت تقلدها منصبها في نوفمبر 2005 حين أنهت عهد المستشار السابق جرهارد شرودر، تعوّد الألمان على ميركل بأنها تتخذ قراراتها السياسية بتأنٍ وهدوء وبعد أن يقول الجميع ما لديهم، ويُعتقد أن السبب الرئيسي وراء ارتياح الناخبين الألمان، أن أوضاع الألمان المعيشية جيدة، فالأزمة المالية وأزمة اليورو، عادتا بالنفع على ألمانيا أكثر من غيرها. وبعد تشكيل حكومتها الثالثة مع الاشتراكيين الألمان، لم يعد هناك معارضة تؤخذ على محمل الجد، حيث أنها مقتصرة على الحزبين الصغيرين، الخضر واليسار.

إلى أن حصلت أزمة اللاجئين، وتحديداً أكتوبر الماضي، حيث يتهمها المنتقدون بأنها وجهت في ذلك الوقت، دعوة مفتوحة إلى اللاجئين في العالم للحضور إلى ألمانيا.

لكن أزمة اللاجئين تختلف عن الأزمات السابقة، فهي مرتبطة بنزاعات في الشرق الأوسط، الأمر الذي بات يفرض على ميركل التخلي عن نهجها السياسي المعروف بالانتظار حتى يقول الجميع ما لديهم، علاوة على أن الأزمة فرضت على ميركل اتخاذ قرارات صعبة، وأبرزها دخول ألمانيا طرفاً في الحرب ضد داعش، وبذلك تزداد الاحتمالات بوقوع اعتداءات إرهابية في ألمانيا، خاصة أن مئات الشباب الألمان، يحاربون في صفوف التنظيم في سوريا والعراق وبعضهم عاد إلى ألمانيا.

ولأوّل مرة منذ عشرة أعوام على وجودها في منصبها، أصبحت شعبية حزبها تتراجع، وفي المقابل ترتفع شعبية الحزب الشعبوي "بديل من أجل ألمانيا" الذي يستغل أزمة اللاجئين لنشر الخوف في نفوس الألمان.

وقد جمعت مجلة "دير شبيجل" الجبهات التي تحارب فيها ميركل في الوقت الراهن حيث لا أحد يتكهن بنتائجها وهي:

- التعاون مع تركيا، حيث يتعين على ميركل العمل من أجل حماية حدود الاتحاد الأوروبي، وتعتمد على تركيا لوقف تدفق اللاجئين عبر أراضيها إلى دول البلقان وعبر حدودها البحرية مع اليونان، مقابل منحهم مساعدات مالية تصل إلى ثلاثة مليارات يورو، وتسهيل منح المواطنين الأتراك تأشيرات دخول إلى دول الاتحاد الأوروبي وتعجيل المفاوضات الدائرة منذ سنوات بين الاتحاد الأوروبي وتركيا لضمها للاتحاد الأوروبي. وبعد أن كانت ميركل من أبرز رافضي انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي، أصبحت مستعدة لتحمل التغيير الحاصل في موقفها لخشيتها من سماح تركيا لمليوني لاجئ سوري لجأوا لأراضيها، باللجوء إلى ألمانيا.

- تخفيف حدة الخلافات في الاتحاد الأوروبي بسبب نهجها تجاه اللاجئين، خاصة أن الدول الأعضاء الأوروبية الشرقية تنتقدها بشدة وتحملها مسؤولية تدفق اللاجئين على أوروبا، وترفض تقاسم أعدادهم، خاصة استقبال المسلمين، وهكذا تكون ميركل قد تسببت في انقسام في الاتحاد الأوروبي.

- استجابت ميركل إلى طلب الرئيس الفرنسي فرانسوا أولاند، بدخول ألمانيا الحرب ضد داعش، من خلال إرسال طائرات استطلاع وفرقاطة لحماية حاملة الطائرات الفرنسية "شارل ديجول" وعلى الرغم من أن البعض يعتبرها مساهمة رمزية، إلا أن ميركل قرّرت الانضمام للحرب ضد داعش وهكذا زاد احتمال تعرض ألمانيا لاعتداءات من قبل التنظيم، رغم عدم ثقتها بخطة أولاند علاوة على أن غالبية الإستراتيجيين يقولون إن الغارات الجوية لن تقضي على التنظيم.

- لم تعد ميركل تضمن فوزها في منصبها مرة رابعة بسبب تراجع شعبية حزبها وازدياد النقمة ضد زعامتها بسبب عدم سيطرتها على أزمة اللاجئين. بالإضافة إلى الخلاف بينها وبين هورست زيهوفر، رئيس حكومة ولاية بافاريا، الذي عنفها بصورة علنية خلال مؤتمر الحزب المسيحي الاجتماعي البافاري، تساءلت الصحف في اليوم التالي عمن يحكم البلاد، زيهوفر أم ميركل؟ بالإضافة إلى القلق الذي ينتاب أقطاب حزبها، من ارتفاع شعبية الحزب الشعبوي "بديل من أجل ألمانيا" الذي يستفيد من أخطاء ميركل ومن الخلاف الذي يعصف داخل الاتحاد المسيحي والائتلاف مع الاشتراكيين الذي برأي الكثيرين يرتكز على عكازين وهو بذلك معرض للانهيار في أي وقت.