الحرب الأهلية اللبنانية منعت تكريمه وتذكروه في حفل تأبينه
سمير الشعار مخترع الكلية والقلب الصناعي.. عالم لا ينساه التاريخ
أنجز أبحاثه تحت وطأة المرض ونجح في تقديم أفضل خدمة للإنسانية
بلدته عيناب أقامت له نصباً تذكارياً وأمريكا وصفت اختراعه بالمعجزة

لبنان - أنور عقل ضو:
من المفارقات الغريبة أن يظل صاحب أهم اختراع في العالم نسياً منسياً، ولا حتي مجرد ذكري عابرة علي قائمة المبدعين اللبنانيين والعرب، وكأن قدر الكبار في بلادنا أن يموتوا مرتين، الأولي عندما تنطفيء في أجسادهم جذوة الحياة، والثانية عندما ننكرهم بالعرض أو بالقصد، والموت الثاني أكثر مرارة وأشد وطأة وإيلاماً.
سمير حسين الشعار مطور الكلية الاصطناعية والقلب الاصطناعي في مطلع السبعينيات من القرن الماضي، ساهم في تخفيف معاناة مرضي الفشل الكلوي عبر تطوير الجهاز المستخدم في غسل الكلي، ويدين له الملايين من البشر ممن أنقذت حياتهم من خلال عمليات القلب المفتوح، فهو أول من أعطي العالم القلب الاصطناعي ليكون البديل الملائم للقلب الطبيعي في حالة عزله عن العمل عند تدخل الجراحة .
ما يدعو للاستغراب أننا لم نعثر علي اسم سمير الشعار علي محركات البحث العالمية علي شبكة الانترنت، ولا حتي مجرد إشارة صغيرة تسلط الضوء علي ما ابتكر واخترع في سبيل الانسانية جمعاء، وما يميز سمير عن سائر المخترعين اللبنانيين والعرب أنه أنجز كل أبحاثه وهو تحت وطأة المرض الشديد، فحارب علي جبهتين: مواجهة عذاب وآلام المرض والتصدي لمسائل علمية شائكة أثمرت انجازين كبيرين، حتي أن بعض الدوريات العلمية الامريكية قالت إن سمير كان يقترض بعض الوقت من الموت ليحقق أهم انجازاته العلمية.
تذكره لبنان مرة واحدة سنة 1972 يوم أقيم له احتفال تأبيني برعاية رئيس الجمهورية آنذاك الراحل سليمان فرنجية، ولم يكن من قبيل الصدفة ان يجتمع في لجنة التكريم أهم أعلام السياسة والفكر والادب، ومنهم: كمال جنبلاط، مجيد ارسلان، ميخائيل نعيمة، سعيد عقل، شارل مالك، ملحم كرم، ادفيك شيبوب، انور الفطايري، عارف النكدي، الاب انطوان ضو، باسم الجسر، بيار حلو، زاهية سلمان، سهيل ادريس، وجدي ملاط، غسان تويني، فخري علامة، شوكت شقير، فؤاد افرام البستاني، فؤاد الخشن، يوسف ابراهيم يزبك، نزيه البزري، نسيب البربير، منير ابو فاضل، محمد زكريا عيتاني، حسانة الداعوق، البير مخيبر، قسطنطين زريق، عادل مالك وغيرهم، ممن أنصفوا الراحل الذي بدا وكأنه في مماته آثر أن يجمع كل اللبنانيين بتنوع مشاربهم وانتماءاتهم في لحظات وداعه.منذ العام 1972، طوي لبنان صفحة مضيئة من تاريخه الحديث، وأتت الحرب الأهلية لتحول دون استكمال مراسم التكريم عبر إطلاق اسم الراحل علي شارع أو تخصيص جائزة باسمه لافضل بحث علمي. وحدها، بلدته عيناب في قلب جبل لبنان ومجلسها البلدي تذكرته بعد أن نفضت عنها غبار وركام الحرب، فأقامت نصباً تذكارياً عند مدخل بلدته، حتي أن كثيرين راحوا يتساءلون: من هو سمير الشعار؟ ولعل الاحتفال الذي ستقيمه البلدة والمجلس البلدي لمناسبة ازاحة الستار عن النصب سيجيب عن هذا السؤال، ولن تكون الاجابة بأقل: عظيم من عظماء لبنان والعرب.
رئيس البلدية فؤاد الشعار، أشار ل الراية أن الاحتفال سيقام قريبا وحالت ظروف الحرب منذ العام 1975 دون اقامة مراسم الاحتفال والتكريم التي يستحقها ابن عيناب البار ، وأكد أن المجلس البلدي قرر اقامة هذا النصب وتم الانتهاء من انجازه وفق تصميم هندسي لائق وان كان طموحنا ان يكون الراحل حاضرا علي امتداد وطنه لبنان .
ولأن مصادر المعلومات غير متوفرة عن الراحل، تمكنت الراية من جمع بعض المعلومات من الذين شاركوا في مناسبة التكريم الاولي سنة 1972، وفي ما يلي بعض السيرة العلمية.
كانت الكلية اول اختراعات الدكتور سمير الشعار، لأنه كان يعيش مع الآلة عشرين ساعة في كل اسبوع، عشر ساعات كل مرة، وكان يري ان ذلك يأخذ وقت المريض كله فلا يترك له وقتاً كافياً للعمل وللراحة، فانكب علي دراسة الجهاز الذي يجلس امامه هذا الوقت الطويل، وكشف حسناته وسيئاته وخرج من دراسته باختراع جهاز اقل تعقيدا واكثر فائدة، بني عليه موضوع اطروحة الماجستير التي حصل عليها بتفوق.
وقد سجل له هذا الاختراع الذي يعتبر انجازاً كبير الاهمية في مساعدة مرضي الكلية، وما اكثرهم في عصرنا هذا، والكلية الاصطناعية تستعمل في تنظيف الدم من السموم، إما كمساعد للكلية الطبيعية او كبديل لها.
وليس بمستغرب أن يتمكن هذا الانسان الاستثنائي في علمه وعطاءاته، أن يخترع الكلية الاصطناعية، منصرفا الي تحقيق انجاز علمي آخر أشد خطورة وأكثر أهمية في نظر الانسانية جمعاء، هو القلب الاصطناعي معللا السبب الذي دفعه - رغم حالته المرضية المنهكة - إلي التفكير به بقوله أنا مدين لأولئك الذين يقدمون لي من دمائهم ما يحفظ الحياة في عروقي، وهم كثر، يعدون بعشرات الألوف، فإلي قلوبهم الكبيرة التي تقدم لي ولمن هم مثلي هذا العون السخي، يجب أن اهدي ما يترجم لهم شعوري بالامتنان والشكر والتقدير .
ويقول جوابا علي سؤالا وجه إليه بصدد محاولته هذه: إني منصرف إلي إيجاد المادة التي يمكنها أن تعمل اربعا وعشرين ساعة في الاربع وعشرين ساعة بدقة وانتظام ولا يطرأ عليها اي تغيير يعرضها للتلف . وقد وجد ضالته وأنجز اختراعه وأعطي العالم القلب الاصطناعي ليكون البديل الملائم للقلب الطبيعي في حالة عزله عن العمل عند تدخل الجراحة.
ليس بالامكان وصف ما انجزه الدكتور سمير حسين الشعار اللبناني المولد والنشأة، وهو اختراع اعتبرته الولايات المتحدة الامريكية، عملا جبارا كان في عرف علماء عايشوا الشعار معجزة عصر الذرة والفضاء.
عاش سمير مناضلاً، حارب الفقر والعوز والخوف والألم، ووقف في وجه الموت متحديا ومؤمنا يستمهله بعض الوقت بشجاعة وإيمان وثقة بالنفس، واستطاع قبل ان يستشهد في حلبة الصراع المرير ان يقدم للعالم اختراعا يحمل اسمه، وشجاعته، وايمانه، يعطي به اخوانه بني الانسان الشجاعة والامل لمجابهة اشد الاخطار الصحية: مرض القلب، هو Shaar Actuator Controller - Artificial Heart بهذا الاسم الذي يمكن ترجمته الي العربية بهذه العبارة: جهاز شعار لضبط الحركة الذاتية في القلب الاصطناعي، سجل الاختراع تحت الرقم 005490، وقد تناولت انجازة بعض الصحف العالمية فقد قالت جريدة ذي تيدنغر التي تصدر في لوس انجلس في ولاية كاليفورنيا في عددها الصادر يوم الجمعة في 24 اكتوبر 1969 تحت عنوان رجل يقترض الوقت من الموت : ان سمير يعرف الي أي مدي يمكن تصل نفس الرجل من الشجاعة، ويعرف مدي عمق التجاوب الانساني مع انسان في حاجة الي عون الآخرين، انه يتحسس قوة عري الاخوة التي تربطه بأولئك الذين امتزج دمه بدمهم. وتقول في مكان آخر: دخلنا بيته فوجدنا في غرفة جلوسه جهاز قلب اصطناعي، ومكتبة عامرة بالكتب العلمية، بينها في مكان بارز كتاب رحلة روح لمؤلفه بوب جونز وهناك ايضا لعبة لطفلة لا يتجاوز عمرها الخمس سنوات، فسمير رب لعائلة مؤلفة من ثلاثة اشخاص تستعين علي شؤون معيشتها بمنحة تقدمها المؤسسة الوطنية للصحة، الي الجامعة التي يتعلم فيها سمير، وهذه بدورها توزعها بين المتفوقين، وسمير كان من أبرزهم وأوفرهم حظا.
وقالت الجريدة عينها في وصف جهاز القلب الاصطناعي: انه جهاز مصغر لقلب اصطناعي يوضح الاسس الميكانيكية لعمل القلب، فإذا نجح (والكلام في سنة 1969) كان عضوا آليا فاعلاً، وإذا لم ينجح فسيكون جهازاً يساعد طلاب الطب علي تفهم ديناميكية القلب.
وقالت شركة موغ التي كان قد كلفها سمير بتنفيذ الاختراع صناعياً في كتابها المؤرخ في 5 مايو 1972: في يوليو 1971 اتصل الدكتور سمير الشعار بشركة موغ مقدما اقتراحا لمشاركته بإنتاج جهاز مساعد للقلب لمساعدة المرضي الذين يشكون من ضعف في القلب. وكانت فكرة طموحه تطورت الي فكرة جهاز قلب مساعد يستخدم في عمليات فتح القلب، علي ان يجري تطوير هذه النظرية لتصبح اكثر قبولا لدي الجراحين وتؤدي في المستقبل الي تحقيق زراعة قلب اصطناعي.
إن موت الدكتور سمير المفاجئ سيؤثر علي سير هذا التطور مؤقتاً، ولكن شركة موغ تري أن هذا المشروع هو علي درجة كبري من الاهمية للشركة وللانسانية جمعاء، وهي تود الاستمرار في تنفيذه في المستقبل القريب، وتأمل ان تتمكن من العثور علي اختصاصي يستطيع السير به قدماً.
وقال الدكتور جورج ايبايكي في كتاب التعزية وهو طبيب مسؤول في جامعة كاليفورنيا الجنوبية: لا استطيع وصف الصدمة والاسي اللذين وقعا علي عندما عرفت بوفاة سمير. وانما كما تعلمون عرفته منذ عدة سنوات منذ ان استأنف دراسته ولا ازال اذكر مشيته عندما رأيته لاول مرة، اذ كان يقف ويسير علي غير ارتكاز فقد كان جسمه خاضعا لتقنين منهك.
وكم كنت شديد الاعجاب بشجاعته وتصميمه علي النجاح، إني أعتقد أنه كان اعظم من عرفت في حياتي من الناس بقوة شخصيته، ان قوة مستمدة من التغلب علي مصاعب لم يكن ليقف امامها اي مخلوق سواه.و كان حديثي معه في لقائي الاخير عن المحاضرات العلمية التي كان يعدها للالقاء في ولاية كاليفورنيا، واعتقد انه كان يبدو اكثر قوة ونشاطا من اي وقت مضي. كان لقائي به فرصة افتخر بها وجرأته وقوته وعرفانه بالجميل لما قدم له من مساعدات تذكر.
وقال الدكتور ولام كولب (استاذ في الجراحة في جامعة يوتاه) وهو رئيس قسم الأعضاء الاصطناعية في كتاب توصية موجه الي مؤسسة انتاج القلب الاصطناعي والرئتين: إن الدكتور سمير الشعار حصل علي شهادة كمستشار وقد وضع تصميماً لجهاز القلب الاصطناعي، ثم استمر بعد الدكتوراه في هندسة الطب الحياتي سنة 1970، وكانت اطروحته بعنوان التنظيم الآلي للقلب المعزول ، وعمل بعد ذلك لمدة ستة اشهر مع شركة الطائرات النفاثة Aerojet General في ولاية كاليفورنيا كمستشار، وقد وضع تصميماً لجهاز القلب الاصطناعي ثم استمر بعد ذلك بتطوير المنظم الآلي الذي سيشكل حلقة الوصل بين جهاز الطائرات النفاثة والمضخة التي طورتموها الكترونيا. وقد طلبت من الدكتور الشعار القاء محاضرة في احد اجتماعاتنا ففعل.
كما اني شاهدت تصميمه للمنظم الآلي وكان حسب اعتقادي يستحق التقدير، فالمذكور عبقري وعلي جانب عظيم من فهم عمله.اني اقدم مع كتابي صورا متعددة لتصميم الانجاز العلمي الذي وضعه السيد الشعار، لدرسه او لعرضه، فمما يبدو ان السيد الشعار يمكنه ان يقدم ما فيه الكفاية، لقد تعاقد مؤخرا مع جامعة كاليفورنيا الجنوبية لتعليم كل ما يتعلق بالقلب الاصطناعي، اني اوصي بأن تحاولوا الاستفادة من هذا الرجل العبقري.
- ولد الدكتور سمير حسين الشعار في بلدة عيناب - قضاء عاليه (لبنان) في 19 يونيو 1934.
- تلقي علومه الابتدائية في المدرسة الداودية - عبيه، ونال الشهادة الابتدائية العالية الرسمية سنة 1949.
- تخرج من مدرسة الصنائع والفنون الجميلة - بيروت بدرجة مساعد مهندس ميكانيك سنة 1959.
- سافر الي الولايات المتحدة الامريكية للتخصص بالهندسة الالكترونية، منتدباً من شركة ناشيونال الامريكية سنة 1959.
- حصل علي الدرجة الجامعية الاولي B.S بكالوريوس في العلوم من جامعة كاليفورنيا الجنوبية سنة 1963.
- أصيب بمرض توقف كليتيه عن العمل سنة 1964.
- حصل علي درجة M.S ماجستير في العلوم من الجامعة نفسها، وكان موضوع اطروحته جهاز كلية اصطناعية متطور سنة 1966.
- حصل علي درجة P.H.D دكتوراه في هندسة الطب الحياتي Biomedical Engineering وكان موضوع أطروحته القلب الاصطناعي Auto Regulation In The Isolated Heart سنة 1969.
- أنجز اختراعه وتعاقد مع شركة Moog لانتاجه سنة 1971.
- كانت وفاته المفاجئة يوم 4 أبريل إثر نزيف في الدماغ سنة 1972.