بقلم : سامي كمال الدين - إعلامي مصري ..
صيادون ونصابون وكذابون، لكنهم بالحلم يتشبثون في رواياته، وينطلقون من ساحل البحر الذي اختاره مكاناً لأغلب أبطال رواياته، فأبدع في أدب البحر كما لم يبدع أديب آخر، خاصة في «الياطر» و»حكاية بحار» و»الشراع والعاصفة».

البؤس والفقر والضياع والحياة خارج المدينة في القرى والحواري محور رئيسي في روايات حنا مينه، التي تشبه حياة جان فالجان بطل بؤساء فيكتور هوجو.

في بيته في مسبق الصنع كان لقاؤنا.. حيث فتحت لي دمشق ذراعيها، ومنحني العديد من كتابها وفنانيها وصحفييها ومثقفيها ذكرياتهم وأفكارهم ورؤاهم..

من بيت نزار قباني إلى قصص حب كوليت خوري.. ثم شاطئ بحر حنا مينه، الذي قال لي الكثير، فلم أستطع نشر إلا النَّزْر اليسير منه، فحنا مينه أديب البحر والمرافئ وحياة الصيادين، عاش كل ملذات الحياة، ويحكيها بلا خجل.

آخر تواصل لي معه عام 2011 تقريباً، كنت أريد منه كتابة الصفحة الأخيرة لمجلة الدوحة، التي كنت مديراً لمكتبها في القاهرة، وقال لي لا أستطيع الكتابة، وعليك أن تتملى مني المقال، سوف أعد الفكرة وأهاتفك ثم اختفى، أتلفن له ولا يجيب ثم فاجأني باتصال وأنا أقود سيارتي على الطريق الدائري في قاهرة المعز، حيث كنت متجهاً إلى مكتبي في شارع طلعت حرب بوسط القاهرة، وطلب أن يمليني المقال، وبالفعل كان مقالا لحنا مينه على الدائري، حيث صففت سيارتي على جانب الطريق، وأمليت المقال.

رحم الله حنا مينه الروائي والكاتب الكبير الذي رحل عن 94 عاماً. وتبقى في الذاكرة العربية أعماله العظيمة مثل «المصابيح الزرق» و»الياطر» و»الأبنوسة البيضاء» و»نهاية رجل شجاع» التي قدمها أيمن زيدان وسوزان نجم الدين في مسلسل تلفزيوني.

وهو مثل نجيب محفوظ في الكتابة عن الحارة والأزقة، حيث الفقر والمرأة المسحوقة في أحياء اللاذقية...

التقيت حنا مينه عام 2004 ونشرت حديثي معه في الأهرام، ثم في مجلة الدوحة عام 2008 وظللت حريصاً على متابعة إبداعاته والنهل منها..

قبل رحيله بسنوات طويلة وتحديداً عام 2008 كتب حنا مينه وصيته، ونشرتها جريدة الثورة السورية، وفيها «أنا حنا بن سليم حنا مينه، والدتي مريانا ميخائيل زكور، من مواليد اللاذقية العام 1924، أكتب وصيتي وأنا بكامل قواي العقلية، وقد عمّرت طويلًا حتى صرت أخشى ألا أموت، بعد أن شبعت من الدنيا، مع يقيني أنه «لكل أجل كتاب».

لقد كنت سعيدًا جدًا في حياتي، فمنذ أبصرت عيناي النور، وأنا منذورٌ للشقاء، وفي قلب الشقاء حاربت الشقاء، وانتصرت عليه، وهذه نعمة الله، ومكافأة السماء، وإني لمن الشاكرين.

عندما ألفظ النفس الأخير، آمل، وأشدد على هذه الكلمة، ألا يُذاع خبر موتي في أية وسيلةٍ إعلامية، مقروءة أو مسموعة أو مرئية، فقد كنت بسيطًا في حياتي، وأرغب أن أكون بسيطًا في مماتي، وليس لي أهلٌ، لأن أهلي، جميعًا، لم يعرفوا من أنا في حياتي، وهذا أفضل، لذلك ليس من الإنصاف في شيء، أن يتحسروا عليّ عندما يعرفونني، بعد مغادرة هذه الفانية.

كل ما فعلته في حياتي معروفٌ، وهو أداء واجبي تجاه وطني وشعبي، وقد كرست كل كلماتي لأجل هدف واحد: نصرة الفقراء والبؤساء والمعذبين في الأرض، وبعد أن ناضلت بجسدي في سبيل هذا الهدف، وبدأت الكتابة في الأربعين من عمري، شرّعت قلمي لأجل الهدف ذاته، ولما أزل.

لا عتبٌ ولا عتابٌ، ولست ذاكرهما، هنا، إلا للضرورة، فقد اعتمدت عمري كله، لا على الحظ، بل على الساعد، فيدي وحدها، وبمفردها، صفّقت، وإني لأشكر هذه اليد، ففي الشكر تدوم النِّعم.

أعتذر للجميع، أقرباء، أصدقاء، رفاق، قُرّاء، إذا طلبت منهم أن يَدَعوا نعشي، محمولًا من بيتي إلى عربة الموت، على أكتاف أربعة أشخاصٍ مأجورين من دائرة دفن الموتى، وبعد إهالة التراب عليّ، في أي قبر مُتاح، ينفض الجميع أيديهم، ويعودون إلى بيوتهم، فقد انتهى الحفل، وأغلقت الدائرة.

لا حزنٌ، لا بكاءٌ، لا لباسٌ أسود، لا للتعزيات، بأي شكلٍ، ومن أي نوع، في البيت أو خارجه، ثمّ، وهذا هو الأهم، وأشدد: لا حفلة تأبين، فالذي سيقال بعد موتي، سمعته في حياتي، وهذا التأبين، وكما جرت العادات، منكرة، منفّرة، مسيئة إلي، استغيث بكم جميعًا، أن تريحوا عظامي منه.

كلُّ ما أملك، في دمشق واللاذقية، يتصرف به من يدّعون أنهم أهلي، ولهم الحرية في توزيع بعضه، على الفقراء، الأحباء الذين كنت منهم، وكانوا مني، وكنا على نسب هو الأغلى، الأثمن، الأكرم عندي.

زوجتي العزيزة مريم دميان سمعان، وصيتي عند من يصلّون لراحة نفسي، لها الحق، لو كانت لديها إمكانية دعي هذا الحق، أن تتصرف بكلّ إرثي، أما بيتي في اللاذقية، وكل ما فيه، فهو لها ومطوّب باسمها، فلا يباع إلا بعد عودتها إلى العدم الذي خرجت هي، وخرجت أنا، منه، ثم عدنا إليه».
لكن حنا مينه الذي تحدث في وصيته ورواياته وكتبه النقدية عن الدفاع عن الفقراء والمعذبين في الأرض، والذين حطمتهم الحياة السياسية والذي رفض مقولة الفن للفن في بدايته الروائية من خلال رواية «المصابيح الزرقاء»، مؤكداً التزام الأديب السياسي غاب عن الثورة السورية وأحداثها، وهو صاحب كتاب «أدب الحرب ناظم حكمت ثائراً»، بل وهو المنحاز دائماً إلى الفقراء والمقموعين في العالم، اليساري التقدمي صمت تماماً عن الثورة السورية ومئات الآلاف من شهدائها ومعتقليها.

لم يصمت نزار قباني عما فعله حافظ الأسد في سوريا، وعاش في منفاه الاختياري في لندن حتى وفاته، وهو الدبلوماسي المرفه، بينما حنا مينه الذي عمل على مركب وبائعاً للصحف وحلاقاً في الجيش، أي أنه كان الأكثر قرباً من آلام الناس وأوجاعهم التي عاشها وعايشها، شاهد كل هذه المآسي في سوريا وصمت صمت الغابات الأسمنتية المؤسسة جيداً.

فهل قدّر النظام السوري هذا الموقف لحنا مينه؟
النظام لا قدّره سابقاً ولا آنياً ولا سيقدره لاحقاً، حنا مينه الذي تدرس رواياته وقصصه ضمن المنهج الدراسي للمدارس السورية مات فقيراً ولم ينل حتى ثمن صمته، إذا كان للصمت والتخاذل ثمن، لكنه سيبقى في ذاكرة الأدب العربي كواحد من أهم الروائيين في القرن العشرين.