بقلم : أحمد ذيبان - صحفي وكاتب أردني ..
بعدَ أيّامٍ قليلةٍ مِنْ نشرِ نشطاءَ على موقعِ التّواصلِ الاجتماعيِّ بشكلٍ ساخرٍ، ما أسمَوهُ «إنجازاتِ» الحكومةِ الأردنيةِ، خلالَ الـ» 70» يوماً الأُولى مِنْ عُمُرِ حكومةِ عُمَرَ الرّزاز، أعلنتْ الحكومةُ أنَّها أنجزتْ نحْوَ «62.5» بالمئةِ، مِنْ قائمةِ التّعهُّداتِ الـ «16»، الّتي وعدَ الرزّازُ بإنجازِها خلالَ المائةِ يومٍ الأُولى مِنْ تشكيلِ حكومتِهِ!

بطبيعةِ الحالِ حرصتْ الحكومةُ فِي حساباتِهَا لـ»الإنجازاتِ»، علَى رسمِ «صورةٍ ورديّةٍ»! وَهُوَ مَا يناقضُ حساباتِ الرّأيِ الْعامِّ الّتي كانَ مِنْ بينِها، الإشارةُ إلَى رفعِ أسعارِ المحروقاتِ والكهرباءِ والإسمنتِ و»فضيحةُ الدُّخَانِ»، وتخصيصُ طائرةٍ عسكريّةٍ للفنانةِ الإماراتيةِ «أحلامَ»، لنقلِها إلى مدينةِ البتراءِ السياحيّةِ، وتركيبُ كاميراتٍ جديدةٍ لزيادةِ المُخالفاتِ، ورفعُ راتبِ موظفٍ في أمانةِ عَمّانَ بقيمةِ ألفِ دِينارٍ: من» 2316» دِيناراً إلَى « 3316» دِيناراً.. وغيرُها مِنْ «الإنجازاتِ»!

وحسْبُ ما تسرّبَ مِنْ معلوماتٍ، خلالَ مُناقشاتِ البرلمانِ لبيانِ الثّقةِ بحكومةِ الرّزازِ، فإنَّ الرّئيسَ وعدَ الكتلَ النّيابيّةَ الّتي انتقدتْ تشكيلةَ الحكومةِ، بإجراءِ تعديلٍ وَزاريٍّ في أقربِ فرصةٍ.. ربَّما معَ انتهاءِ فترةِ الـ «100» يومٍ الأُولى! وَهُوَ تعديلٌ سيزيدُ العبءَ علَى موازنةٍ مُثقلةٍ بالمديونيّةِ والعجزِ، في بلدٍ يُعاني أصلاً من فائضٍ في عددِ الوزراءِ، حيثُ تتكوّنُ الحكومةُ مِن رئيسِها و»28 وزيراً»، ولعلّها مقارنةٌ صادمةٌ تتناقضُ معَ شعارِ ضبطِ النفقاتِ والتقشّفِ، حيثُ تقدّرُ فاتورةُ التّقاعدِ الّتي يتقاضَاهَا (800)، من رؤساءِ الوَزاراتِ والوزراءِ والنُّوابِ والأعيانِ السابقينَ، بـ «20» مليونَ دولارٍ سنويّاً، وَهِيَ تُساوِي تقريباً ما يتقاضَاهُ «50» ألفَ متقاعدٍ مِن المُوظّفينَ «الغلابةِ»!

وبالتّزامنِ معَ تشكيلِ حكومةِ الرّزازِ في شهرِ يونيو- حزيرانَ الماضي، شكّلَ الرّئيسُ التّركيُّ أردوغانُ حكومتَهُ الجديدةَ، بعدَ إعادةِ انتخابِه وانتقالِ البلادِ إلَى النّظامِ الرّئاسيِّ، وتبدُو المقارنةُ طريفةً بينَ الحالتَينِ الأردنيةِ والتّركيةِ، فعددُ سكّانِ تركيا «80 « مليونَ نسمةٍ، وتحتلُ المرتبةَ « 17» «فِي الاقتصاداتِ العالميّةِ، وتضمُّ حكومةُ أردوغانَ «16 «وزيراً ونائباً لرئيسِ الجمهوريّةِ.

أمّا الأردنُ فعددُ سكانِه عشرةُ ملايينِ نسمةٍ بينَ مُواطنينَ ولاجئينَ، وهوَ بلدٌ غارقٌ بالديونِ نحْوَ «40 « مليارَ دولارٍ، وعجزِ موازنةٍ يقدّرُ بـ «1.8 « مليارِ دولارٍ، والحكومةُ تقترضُ لدفعِ الرّواتبِ، كمَا أعلنَ نائبُ رئيسِ الوزراءِ!

«شهوةُ الاستيزارِ» تشكّلُ أحدَ معالمِ حياةِ الأردنيينَ، فعددٌ كبيرٌ منْهُم يعتقدُونَ بأهليَّتِهِم، أو يطمحونَ بتسلُّمِ حقيبةٍ وزاريّةٍ، وربّما يُقدَّرُ عددُ هؤلاءِ مجازيّاً بنحوِ مليونِ شخصٍ، هذِهِ الفكرةُ مستوحاةٌ مِن ردودِ الفعلِ علَى تشكيلةِ حكومةِ الرزازِ، وما تعرّضتْ لهُ مِن تعليقاتٍ وانتقاداتٍ، حيثُ اضْطُرَ الرزازُ إلى الردِّ علَى تساؤلاتِ عديدِ النُّوابِ بقولِهِ :» إنّه أجرى مقابلاتٍ معَ ثلاثةِ مُرشحينَ لكلِّ حقيبةٍ وزاريّةٍ، حتّى استقرّ أمرُهُ علَى هذِهِ التشكيلةِ، بمعنى أنّ الاختيارَ خضعَ لتقييمِ الرئيسِ الشخصيِّ، وليسَ له علاقةٌ بتوجّهاتِ وخلفيّاتِ الوزيرِ السياسيّةِ، أو برنامجِ عملِ الحكومةِ، وبالنّتيجةِ ليسَ هناكَ معيارٌ سياسيٌّ واضحٌ وشفّافٌ لاختيارِ الوزراءِ!

وهذِهِ الحالةُ الأردنيّةُ، تُغري الكثيرينَ بالطمعِ بحقيبةٍ وزاريّةٍ، بحكمِ ما توفّرُهُ مِن مكاسبَ ماليةٍ وامتيازاتٍ ورواتبَ تقاعديّةٍ، وحسْبُ الآليةِ الضبابيّةِ المُتّبعةِ فِي تشكيلِ الحكوماتِ، فِي غيابِ بيئةٍ سياسيّةٍ تعدديّةٍ مُنظّمةٍ، وتفريخ ِعشراتِ الأحزابِ «الكرتونيّةِ»، العاجزةِ عنْ تشكيلِ حكوماتٍ برلمانيّةٍ، فإنّ مِن حقِّ أيِّ مواطنٍ الزعمَ بأنَّه يستحقُّ أنْ يكونَ وزيراً، وإذَا كانَ المطلوبُ شهادةً جامعيّةً، فهناكَ ما يزيدُ علَى مليونِ شخصٍ يحملونَ شهاداتِ البكالوريوسِ والماجستيرِ والدكتوراهِ، وعددٌ كبيرٌ منْهُم لدَيهِم خبراتٌ متنوّعةٌ فِي اختصاصاتِهِم، وهناكُ أكثرُ مِن «300» ألفِ خرّيجٍ جامعيٍّ، ينتظرونَ دورَهم بالتّوظيفِ في سِجلّاتِ ديوانِ الخدمةِ المدنيةِ منذُ سنواتٍ.

وأجزمُ أنّ عدداً كبيراً ممّن أشرتُ إلَيهم يستطيعونَ حملَ حقائبَ وزاريّةٍ، ومنْ حقِّهم أنْ يطمحُوا لإشغالِ مواقعَ قياديّةٍ: «وزراءَ، نوّابٍ، أعيانٍ، مسؤولينَ كبارٍ»، إذا كان النموذجُ هُو ما نراهُ من وزراءَ عاملينَ وسابقينَ، ليسُوا علماءَ أو مُخترعينَ، بلْ بالإمكانِ العثورُ بينَ ركّابِ وسائطِ النّقلِ «المتهالكةِ «، علَى شخصٍ أو أكثرَ مُؤهلينَ لإشغالِ مواقعَ وزاريةٍ، وَفْقَ المعاييرِ المُتّبعةِ لاختيارِ الوزراءِ! وأظنُّ أنَّ الحالةَ الأردنيّةَ فِي تشكيلِ الحكوماتِ فريدةٌ بينَ دولِ العالمِ! وعليهِ فإنّ الإصلاحَ السياسيَّ يبدأُ من هُنا!