بقلم - عبد الحميد حسن:

يتباهى بعض القوم بكبر حجمهم، أي بالطول والعرض، وهذا بالطبيعة يعني القوة، ولكن القوة ليست قيمة مُطلقة، فكل قوي، هناك من هو أقوى منه، وقد قال القرآن في وصف المتباهين بقوتهم (وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا).

فلا قدماك اللذان تدق بهما الأرض بقوة وعزم، سوف توصلانك إلى أعماقها ولا طولك الذي تتباهى به، سوف يوصلك إلى السحاب، ولو كانت القوة في الحجم ما قهر داود ذلك العملاق جالوت بضربة واحدة، والحكمة تقول (كلما كبر الحجم، كلما كان السقوط أقوى).

وتتفاخر بعض الدول بكبر مساحتها أو عدد سكانها بل ويسخر البعض منها من دول صغيرة المساحة أو قليلة السكان وقد تكون معظم أو كل هذه الدول «الكبيرة» فقيرة أو ضعيفة أو الاثنين معاً، والدول الصغيرة، التي يتهكمون عليها تكون غنية أو قوية أو الاثنين معاً والأمثلة عديدة في التاريخ وفي عالمنا المعاصر.

إسرائيل، الدولة الصغيرة والتي طالما تهكم العرب عليها بأنها «إسرائيل المزعومة»، طالما هزمت الجيوش العربية المجتمعة عليها بالرغم من أنها في الحجم تبدو كنقطة في البحر العربى حولها ومع ذلك فهي قوة إقليمية لا يمكن إغفالها في أي تسويات تشمل منطقة الشرق الأوسط شاء «الكبار العرب» أم أبوا.

رواندا، تلك البلد الإفريقية الصغيرة، هي قوة إقليمية في وسط إفريقيا ومن الغريب أن رواندا تستولي على ثروات بلد كبرى في المساحة وتعداد السكان مجاورة لها، وهي الكونغو الديموقراطية، وتستبيح حدودها ولا تستطيع الدولة «الكبيرة» الرد على تجاوزات «القزم» القوي.

كوريا الشمالية، تلوح لأمريكا (الدولة العظمى» بالسلاح النووي وبالقوة العسكرية، فيطلب رئيس الدولة العظمى اللقاء بزعيم كوريا الشمالية لإقناعه بأن السلام أفضل للجميع.

وأخيراً، قطر، الدولة الصغيرة حجماً وفي تعداد السكان والتي اختارت الاستقلالية منذ تأسيسها كدولة، تستضيف قنوات الجزيرة الإخبارية والتي تناطح السي إن إن الأمريكية والبي بي سي البريطانية وأصبحت منبراً للإعلام الحر المحايد مما أثار نقمة «الكبار» الذين فشلوا في تقديم محتوى إعلامي يقترب من مستوى «الجزيرة» فصبوا حقدهم وغضبهم على الدولة وقاطعوها وفرضوا الحصار عليها وكان أهم شروطهم، إغلاق الجزيرة، بدلاً من أن يجتهدوا وأن ينفقوا أموالهم ومجهودهم على تقديم إعلام ينافس «الجزيرة» ويسحب البساط من تحت أقدامها فكأنهم بأفاعيلهم تلك يثبتون مكانة الجزيرة العالية التي طالما عجزوا عن منافستها، وكأن حصارهم هو نفسه حصار المسلمين في شعب أبي طالب في مكة عندما عجز كفار قريش عن القضاء على صوت الحق الذي نطق به الرسول عليه الصلاة والسلام.

قطر، الدولة الصغيرة، تحظى بشرف استضافة كأس العالم وتمضي في طريقها دون كلل أو ملل أو تراخ لتكون، كما قال سمو الأمير المفدى بكل أريحية وضمير، كأس كل العرب، بينما الكبار فشلوا في نفس الشيء الذي نجحت فيه قطر «الصغيرة».

في النهاية، الكبير، كبير بأفعاله وصدقه وأخلاقه والصغير صغير بنفس تلك المقاييس.