بقلم - محمد التميمي:

بعد صدور كتاب (النار والغضب في البيت الأبيض) لكاتبه (مايكل وولف)، ما زالت الضجة التي انتشرت بانتشار هذا الكتاب قائمة، وكما يُروَّج له.. عجز (دونالد ترامب) عن إيقاف نشره، مثلما يعجز الآن عن تخفيف جلبة هذه الزوبعة التي ربما تأخذ وقتًا ليس بالقصير لمرورها كسابقتها، لكن هناك شيئا آخر.. فعند قراءته استوقفتني كلمة «البلطجة» التي نص عليها الكاتب..

قال وولف: «إن الرئيس الأمريكي (ترامب) أعطى الضوء الأخضر لابن سلمان بممارسة (البلطجة) على دولة قطر». فاستدعى هذا اللفظ تاريخًا طويلًا من (البلطجة السياسية) إن جاز تسميتها بهذا الشكل..

الحق أن البلطجي الأول ولن يكون الأخير هو الرئيس المصري السابق (حسني مبارك)، فعند استلامه الحكم في مصر خلفًا للرئيس السادات، كانت اتفاقية السلام (كامب ديفيد) بين إسرائيل ومصر قد وُقعت.. والسلام الذي تريده الولايات المتحدة الأمريكية ومن خلفها بريطانيا قد تم .. السلام لا يكفي، فبعد السلام لابد من استقرار، وبعد الاستقرار لابد من الازدهار، وهذه نتيجة طبيعية للدول المتحضرة كدولة إسرائيل المزعومة.

وعلى حساب استقرار إسرائيل لابد من عدم استقرار أعدائها. المتمثلين في كل الشعوب العربية التي تعادي المشروع الصهيوني، فعدم الاستقرار في دولنا ليس من صُنع غيرنا بل هو دأب الحكومات التي وضعها الغرب لمصلحة مشروعه الذي يُسمّى الفوضى الخلّاقة التي تضمن في الجانب الموازي استقرارا وازدهارا دائما لإسرائيل، فإسرائيل الآن تمتلك نفوذًا كبيرًا على حساب نفوذ مصر في دول مثل جنوب السودان، الكاميرون، أوغندا، كينيا وإثيوبيا.

انتهى دور هذا (البلطجي).. بانتهاء مرحلة قيام دولة اسرائيل، ولم يستطع مبارك أن يكمل مرحلة أُخرى باعترافه هو فقد قال: أن (نتنياهو) اقترح عليه إعطاء الفلسطينين شبه جزيرة سيناء في مقابل مشروع دولة إسرائيل.. فقال مبارك: «لا أنا ولا اللي أتخن منّي». لكن وجد الغرب من هو (أتخن) منه، وهو (السيسي) الذي يقود الآن مرحلة (فرض الأمر الواقع) على الفلسطينيين والشعوب العربية.. وهذا الأمر يقول؛ بأن إسرائيل دولة لها كيانها المستقل وعاصمتها القدس رغم أنف كل الشهداء، والتضحيات، والتهجيرات، والاغتصابات، ومن الجدير بالذكر أنه لربما هناك من يسعى للحصول على لقب البلطجي بعرض خدماته وتدخلاته..

حكومة أبو ظبي، سعت بشكل لافت حتى للغرب أنفسهم في محاربة كل ماهو يمثّل بادرة لاستقرار أي دولة عربية، بداية بمحاربتها للثورات العربية وما انبثق عنها من حكومات كانت تريد أن تفعل شيئا تجاه شعوبها المنهكة من كل ما سبق ، فدعمت انقلاب مصر، وحاولت بكل الطرق دعم انقلاب في تونس، وتدخلت في اليمن فسرقت الثورة، واستولت على الموانئ البحرية، وهمّشت الحكومة الشرعية، وهي السبب الكبير في عدم خروج ليبيا من بوتقة الحرب، حتى في تركيا كانت متورطة في حركة الانقلاب الفاشلة التي حدثت أخيرًا .. كل هذا أكسب أبو ظبي خبرة في البلطجة، لكن مع هذا يقع الاختيار الآن على بلطجي أقل خبرة وأحدث سنًا هو محمد بن سلمان، فتجربة البلطجة على قطر، صغيرة جدًا بالمقارنة مع البلطجيين السابقين الكبار، ومن الواضح أن السعودية فشلت في تجربتها هذه، فمن هو الذي يستحق لقب البلطجي الجديد بجدارة في هذه المرحلة!، ربما من يُثبت فعاليته في تطبيق صفقة القرن التي يتم التحضير لها وبسرعة غير متناهية.

ختامًا.. وبكل أسف، نحن من يمارس البلطجة على بَعضُنَا البعض، والتنافس في الحصول على دور البلطجي الأمريكي قائم، وبشكل قبيح جدًا جدًا؛ يتمثل في تقديم الخدمات الجليلة للمشروع الصهيوني الذي على رأس أولوياته الآن (صفقة القرن).

لابد أن نعي تمامًا أن في كل مرحلة من مراحل أي صراع وعدم استقرار عربي وإسلامي؛ هناك بلطجيّ ما بيننا، يخدم هذا كله؛ بالطَّعن في خاصرة أُمَّتنا الإسلامية والعربية.