بقلم / سليم عزوز -  كاتب وصحفي مصري :

 

وكأن هذا الكون الفسيح ليس فيه سوى «قطر»، و «تركيا» إلى حد ما!

يستدعي النظام العسكري في مصر الإرهاب ويعجز عن مواجهته فيصيح: «قطر» !. ويهجره المستثمرون الأجانب فيقول بعلو الصوت: «قطر». ويتذكر «الرز» فتكون الدولة التي عليها العين هي: «قطر». ويجافيه النوم فيرقع بالصوت الحياني: «قطر». ويفشل في البر والبحر فتكون «قطر»، ويفوز فريق لكرة القدم، فيهتف قرد وهو يرقص في «جبلاية القرود» بحديقة الحيوان بالجيزة: انتصرنا على قطر وتركيا. وتتدحرج مرشحة الانقلاب العسكري في الجولتين الأوليين من انتخابات اليونسكو فتكون كلمة «سر الليل» هي: «قطر». ينام «قطر» ويقوم «قطر» فلا شيء في هذا الكون على اتساعه سوى «قطر»، وفي معارك الفشل والخيبة يستدعي النظام الحاكم في مصر «قطر»، وهي حالة مرضية استفحلت حتى باتت تمثل خطراً على عقول الناشئة، الذين ولدوا في حالة الجنون التي تحرك القوم تجاه خطر محدق بالكرة الأرضية اسمه «قطر» !

كنت قد قررت الكتابة عن «أنثروبولوجيا الفرح» بالتطبيق على الحالة المصرية، التي شاهدنا مظاهرها بعد مباراة التأهل لكأس العالم، لشرح لماذا يبدو المصري في استعداد دائم لاقتناص الفرح؟، وفي نيتي الكتابة عن أن هذا هو نصف الكوب الملآن، لكن غالباً هناك نصفه الفارغ، الذي لا يلمسه إلا متابع عن قرب، وهو أن مظاهر الفرح غالباً مشوبة بالحذر، فالمصري عندما يستغرق في الضحك يستدرك ليدعو: «اللهم اجعله خيراً»، وفي الأغلب الأعم فإنه يجد نفسه في أغاني الشجن، على النحو الذي عبر عنه المطرب الشعبي «حسن الأسمر» في أغنيته: «كتاب حياتي يا عين/ما شفت زيه كتاب/ الفرح فيه سطرين/ والباقي كله عذاب»، وهي أغنية وجدت رواجاً كبيراً، إلى حد أنها كانت لفترة تغنى في الأفراح، وبإيقاع راقص يتناسب مع «جلال الموقف» !

لقد وقع المحظور، الذي دفعني لتجاوز الكتابة عن «أنثروبولوجيا الفرح»، فبعد ليلة سعيدة بتأهُل فريق كرة القدم المصري لكأس العالم، ونهار قلت فيه جرعة الفرح ومنسوبه بسبب التوظيف السياسي للحدث، وبسبب الهبة التي منحها مولانا ولي النعم عبد الفتاح السيسي لكل لاعب، وكأنه يستقطع من ماله الخاص، حتى جرى تحويل الفرح إلى مأتم، على طريقة «كرسي في الكلوب»، وفي معركة ليس للمصريين فيها ناقة ولا جمل، فمن بالغوا في الفرح عبر «جبلاية القرود»، هم أنفسهم الذين أداروا المشهد إلى إعلان الحداد العام، وكأن هناك من يسلطهم على أنفسهم، وكان عليهم أن يستمروا في الجو الاحتفالي، وقد جعلوا من انتصار اللاعبين انتصاراً حققه عبد الفتاح السيسي، فكانوا في تحويل المشهد كمن يخربون بيوتهم بأيديهم!

لقد تم إعلان نتيجة «تدحدر» مرشحة عبد الفتاح السيسي لرئاسة منظمة اليونسكو للمرتبة الثالثة، والقصة لم تتم فصولاً، ولا يستطيع أحد أن يراهن على هذه الجولة، ولا تزال هناك جولات، لكن لأن فريق عبد الفتاح السيسي يلعب ضد نفسه، فقد كانت نتيجة الجولة الأولى مناسبة، للطم الخدود، وشق الجيوب، والحديث عن المؤامرة القطرية!

لا تنسى أنه في ليلة «فرح العمدة» تم الإعلان من فوق «جبلاية القرود»، أن قطر منعت المصريين من الاحتفال بالنصر الكروي المؤزر؟.. وما هو مبرر «العشم» في قطر، وقد تخلى عن المصريين في الدوحة نظامهم الحاكم، فلم يعد مطلوباً من البلد المضيف أن يراعي مشاعرهم النبيلة، ومن يريد أن يحتفل فليسافر إلى بلده، عبر طريق رأس الرجاء الصالح، لأن هذا النظام منع الطيران من القاهرة إلى الدوحة وبالعكس، فأضر بالمصريين، كما أضر بشركة الطيران الوطنية، من جراء قرار أصدرته سلطة الغباء التاريخي!

ومن أين يأتى «العشم» في قطر، على النحو الذي يدفعها لترك المصريين يحتفلون بانتصار فريقهم، وقد بلغ بأهل الحكم في مصر حد أنهم ألغوا إقامة الطلاب القطريين، ورفضوا منحهم شهادات تحدد موقفهم التعليمي؟!

وعلى كل، فقطر سمحت للمصريين بالاحتفال بفوز فريقهم، وتمددوا في شارع الكورنيش، وعطلوا المرور، وخالفوا القانون، واعتبر الأمن القطري في تركهم مساهمة منه للمصريين في أفراحهم أن يتركوهم يحتفلون وكأنهم بشارع جامعة الدول العربية، بمنطقة المهندسين!

لا بأس، فالقوم يقومون وينامون على «قطر»، حتى أصبحت كابوساً يداهمهم في منامهم فيحرمهم من لذة الاستمتاع ولو بفوز كالذي تحقق وأهل الفريق المصري للمونديال، فبدلاً من أن يستكملوا أفراحهم، وانتخابات اليونسكو لا تزال في جولتها الأولى، حطموا الزينات، فأمامهم رمية بغير رام تمثلت في تصدر المرشح القطري للمشهد، فأمسكوا فيما جرى بأيديهم وأسنانهم وتصايحوا: «قطر»، مع أن المرشح الفرنسي فاز بالمقعد الثاني، لكنهم لم يرو في هذا غضاضة فالمهم ألا تكون «قطر»، على نحو كاشف بأن السبب في منافستهم يرجع إلى القرار القطري المبكر بخوض هذه الانتخابات، فبدا قرار سلطة الانقلاب بالمنافسة هو لإسقاط المرشح القطري، وفقط!

لقد أعلنوا أن إسرائيل تساند قطر، ثم سرعان ما تراجعوا عن هذه الدعاية الفجة، فمرشحتهم شكرت رئيسة الجالية اليهودية في القاهرة، على دعمها لها، كما أن كلمة السيسي في الأمم المتحدة لا يزال صداها في الآذان، وهو يخلص مهامه الوظيفية في حماية أمن إسرائيل، ويشيد بقياداتها السياسية الرشيدة، فيبادله نتنياهو إطراء بإطراء، كما أن العالم كله بات على يقين بأن تفريط السيسي في التراب الوطني، بالتنازل عن «تيران وصنافير» هو «عربون محبة» للكيان الصهيوني!

لقد تم التراجع عن هذا الدعاية، فلا يمكنهم الاستمرار في الإعلان عن أن إسرائيل تآمرت عليهم، وهم لا يلعبون على المستوى المحلي، فاللعب دولياً يكون على المكشوف، «وعلى عينك يا تاجر» !

لقد اندفعوا يتحدثون عن المال القطري، الذي فاحت رائحته في جدران اليونسكو، وهي دعاية جاءت متوازية مع إعلان وزير خارجية السيسي، عن دهشته لموقف الأفارقة من المرشحة المصرية، وعلى نحو يجعل من الاتهام بتلقي الأموال يتجه إلى صدر القوم، وهي خيبة دبلوماسية منقطعة النظير، فلا تزال هناك جولات في الانتخابات، فكيف يمكن جذب الدول الأفريقية إلى تأييد المرشحة المصرية، بعد هذا الاتهام الحقير، الذي يصور الأفارقة على أنهم قوم مرتشون أصلاً؟!

ويحضرني الآن واقعة قرأتها في مذكرات أحد الضباط الأحرار، الذي رصد فيه أن النظام العسكري في مصر كان قد أسرف في استخدام الأموال لاستمالة الأنظمة وشراء المواقف من دول الجوار، وإذ فوجئت الطغمة العسكرية الحاكمة، بتغير في المزاج السوداني من الوحدة مع مصر، وانقلب قادة الأحزاب المؤيدة للوحدة ليكونوا في مقدمة الصفوف ضدها وعن السؤال عن ذلك تبين أن العسكر كانوا يدفعون الرشاوى للقادة السودانيين في الشوارع، حتى أصبح من يدافع عن الوحدة لذلك يكشف عن تلقيه المقابل لذلك، فكان القرار هو الانفصال عن مصر!

هو غباء متوارث إذن في إدارة الملفات الخارجية، وتقدير خاطئ لقدرة المال على الفعل، وإلا أصبح محمد بن زايد أمين عام الأمم المتحدة ورئيس مجلس الأمن!

إنه العسكري إذا فكر، وإذا تنفس!

 

azouz1966@gmail.com