بقلم - أ.د. عمر بن قينه:

تخرج من البيت؛ فتصطدم بالصخب، كالحال في أقطار عربية مكثت فيها: في الشارع، في المؤسّسة العامة، في المستشفى نفسه، في الإدارة، حيث الواقف إلى جانب القاعد، كلّ يصخب طلبا لدور أو استعجالا لوثيقة، أو احتجاجا على رفض طلب له، فيستحيل الصخب أحيانا صراخا، مبطّنة مفرداته بالشتائم! هذه يعاقب عليها القانون.

لا فرصة لك إطلاقا لقراءة جريدتك ولا لتصفح كتاب حملته معك لتغطية فراغ انتظار، فأنت محاصر بالصخب الذي يزيده رنين الهواتف سوءا على سوء، فيصير صوت المتكلم هنا وهناك زعيقا في الغابة اللفظية. أما العاقل فلا يردّ على اتصال وارد، فيرفض المكالمة أو يطفئ الجهاز، أو يرد برسالة اعتذار، إلى حين!

أغادر إدارة ورأسي تضجّ، لا من سوق طبيعتها الصخب في محيط متخلف، يكبر الإحساس بذلك في المؤسّسات الجامعية. قد يقبل الصخب إلا في قلب المؤسسات الجامعية! هنا الثقافة والفكر بهدوء وسلام وعقلانية وطمأنينة! فأين المفرّ؟ لا مناص لبعض من تفويض أهمّ أمورهم إلى أفراد أسرهم! فلهم بقية من قدرة على التحمّل!

حاولت التكيّف، صبرت، تحمّلت، حتى بات الثمن مرتفعا ثقيلا موجعا، أعود إلى البيت منهكا، فأتهاوى على الأريكة في غرفة الجلوس العائلية، أو على نظيرتها في مكتبي نفسه، أملا في استرداد عافيتي، من عنت رافقني حتى في شوارع!

أفتح التلفاز أحيانا وأنا أسترد الأنفاس، في انتظار استعادة شيء من الطمأنينة؛ فيكون الحظّ سيّئا غالبا، في برامج حوارية تعلو فيها الأصوات حتّى التلويح بالقبضات. أما إذا تجاوزت ذلك لقنوات إخبارية فأول ما ألقاه في أرض (الأعراب): لعلعة الرصاص ودويّ المدافع والأسمال البالية والأشلاء الممزقة والدماء النازفة، فضلا عن الحشود النازحة تطلب عونا من الغرب، ولِم لا من إسرائيل؟ لا تكاد تهرب من هذه إلى أخرى، حتى تصطدم بزعيق الجهل السياسي و(التّناطح الحزبي) الرخيص والهيجان الغوغائي؛ فالزبد يتطاير من الأفواه، في الشوارع حتى في (القاعات الرسمية) الفاخرة، تملأ أرجاءها أرواح خربة! خياري الوحيد أن أطفئ التلفاز أملا في سلامة مشاعري وروحي!

صرنا أمة (اللغط)! كلام صاخب، تسيّب في العمل! نحر الوقت في سياسة وإدارة، فالتقاذف بالاتهامات. آفة أصابت العلاقات الإنسانية حتى بين الزملاء والأصدقاء! أو من يعتبرون بعضهم كذلك! الكلام مرضنا!

نحمد الله أن في مقدور من لم يتلوث بالحزبية أن ينجو حتى من (فضول الكلام) الذي صار الاقتصاد فيه ضرورة؛ غيّرت طريقتي؛ فإن خرجت لفسحة: ذهبت صامتا وعدت صامتا، لا ألتفت إلا لضرورة: كتحية أو ردّ عنها بأحسن منها، أو إجابة عن سؤال لتائه على قدميه، أو في سيارة، يسأل عن شارع، أو وجهة!

الكلام الكثير يفسد العقل، يورث الهموم! أليس من الخير المحافظة على عقولنا اكتفاء بالضروري من الكلام؟ ألا يغريك ذلك بعزلة لذيذة، نأيا عن عالم يضجّ بالنفاق والمنافقين؟ بعيدا مع كتاب وورق وقلم وشاشة حاسوب ومفاتيحه؟ تصبّ مشاعرك وهموم الإنسان على الورق، للخلاص وتسجيل الموقف! قد يكون مشروع قرار! ليس حلاّ! أدرك ذلك!

خيار صعب! لكنها الضرورة! العلاقات الإنسانية في الحضيض: تآمرا، خداعا، غشّا، كذبا، صراعات مصالح مادية، الأنانية سيدة المواقف! أما الوطن حاضرا ومستقبلا فلا يعني هؤلاء الذين ابتلينا بهم يتصارعون على كاهل أمة!

مثل هذه الظروف أغرت جحافل بالعزلة، من الأدباء قديما وحديثا، عبّر عنها (العاملي) في (تجربته) التي وجد فيها أنسا جميلا:

أنست بوحدتي ولزمت بيتي فدام الأنس لي ونما السرور

وأدّبني الزمان فلا أبالي هجرت، فلا أزور ولا أُزار

فلست بسائل ما دمت حيّا أسار الجند أم ركب الأمير

فهو غير(المتنبي) الذي استبدّ به الطمع، فمارس النفاق بمثل قوله:

ومن نكد الدنيا على الحرّ أن يرى عدوّا له ما من صداقته بدُّ!

فهي صداقة (نفاق) أسْود! وليس حتى (مداراة)! فالعدوّ عدوّ! بل حتى قليل الودّ لا يمكن أن نصنّفه بيننا صديقا، بل يجب نبذه واعتزاله، ففي اعتزال الأوباش سلامة وأمن، وأمان نفسي وعقلي وبدني!

ألا يغريك النأي عن السيّئين بخيار الاعتزال؟ أم هي رهبانية مرفوضة شرعا وطبعا؟ أم أنّ في الأمر شيئا من علاج للنفس وصون لها من أذىً بدني ونفسي ومادي؟

 

كاتب جزائري

E-Mail: beng.33@hotmail.com