بقلم -  خالد التيجاني النور:

استبقت إدارة الرئيس دونالد ترامب الموعد المضروب بأسبوع لتعلن قرارها إلغاء العقوبات الاقتصادية فيما يتعلق بـ"السودان وحكومته بموجب أمرين تنفيذيين"، لاحظ هنا التمييز بين السودان وحكومته، فيما أبقت على حزمة عقوبات مفروضة بأمر تنفيذي آخر وعلى السودان تحت لائحة الدول الراعية للإرهاب كأدوات ضغط تحت الطلب.

العنوان العريض للخطوة الأمريكية التي قوبلت بترحيب شعبي واسع، وانتقاد من المعارضة، وترحيب رسمي متحفظ، يعني أن واشنطن قررت تخفيف الضغوط عن المواطنين الذين أضربت بهم العقوبات المفروضة على مدار عقدين بصورة مباشرة، فيما أبقت حصارها على الحكومة السودانية بسلسلة من كروت الضغط.

القرار الأمريكي كان منتظراً بترقب كبير ووسط شكوك حول تجاوب الرئيس ترامب مع أجهزته التنفيذية التي رفعت توصية إيجابية برفع العقوبات منذ يونيو الماضي لكنه آثر التأجيل لثلاثة أشهر أخرى لموعد سريان قرار رفع العقوبات المؤقتة التي تضمنها قرار سلفه الرئيس أوباما ليتم تفعيلها بعد ستة أشهر إذا حافظت الخرطوم على سجل مرضٍ.

اعتبرت الخارجية الأمريكية أن إلغاء العقوبات الاقتصادية المفروضة على السودان منذ العام 1997، يأتي اعترافاً بالإجراءات الإيجابية التي اتخذتها حكومة السودان للحفاظ على وقف الأعمال العدائية في مناطق النزاع في السودان، وتحسين المساعدات الإنسانية والوصول إلى جميع مناطق السودان، والحفاظ على التعاون مع الولايات المتحدة في معالجة الصراعات الإقليمية ومهددات الإرهاب.

وتبين الإجراءات التي اتخذتها حكومة السودان خلال الأشهر التسعة الماضية، حسب التقييم الأمريكي، أنها جادة في التعاون مع الولايات المتحدة واتخذت خطوات هامة لوقف الصراع وتحسين وصول المساعدات الإنسانية داخل السودان وتعزيز الاستقرار بالإقليم.

واعتبرت أنه لا يزال يلزم السودان إحراز المزيد من التقدم لتحقيق السلام بصورة كاملة ومستدامة في السودان، والتعاون مع الولايات المتحدة بشأن أولويات الإدارة الأمريكية، بما في ذلك زيادة توسيع نطاق وصول المساعدات الإنسانية، وتحسين ممارسات حقوق الإنسان والحريات، وضمان أن حكومة السودان ملتزمة بالتنفيذ الكامل لقرارات مجلس الأمن الدولي بشأن كوريا الشمالية.

وعلى الرغم من قولها إن هذه الخطوة هي حصيلة جهد دبلوماسي مركز لمدة ستة عشر شهراً لإحراز تقدم مع السودان في هذه المجالات الرئيسية، إلا أنها في الواقع ليست سوى فصل آخر من سلسلة محاولات سودانية متطاولة للخروج من ربقة الحصار الأمريكي، ويعود ذلك إلى منتصف التسعينيات حين حاولت الخرطوم النأي بنفسها عن دعم الجماعات التي تتهم واشنطن بممارسة الإرهاب الدولي، وغالبها منظمات مقاومة فلسطينية إلى جانب حزب الله، وهو ما قاد لأن تدرج الولايات المتحدة السودان في لائحة الدول الراعية للإرهاب منذ العام 1993.

ومنذ منتصف العام 2000 انخرطت الحكومة السودانية بشكل كامل في الحرب الأمريكية ضد الإرهاب، ونشطت في تقديم خدمات متعددة ومعلومات استخبارية للأجهزة الأمريكية حول الجماعات التي تطاردها واشنطن في المنطقة، وعلى الرغم من هذا التعاون الوثيق فقد ظلت واشنطن تكتفي بالتنويه بالجهود السودانية والخدمات الثمنية التي تقدمها للاستخبارات الأمريكية، إلا أن ذلك لم يؤد للاستجابة للطلب السوداني المتكرر برفع اسم السودان من لائحة الدول الراعية للإرهاب التي كانت تضم سبع دول، خرجت أربع منها في السنوات الماضية هي كوريا الشمالية، العراق، ليبيا وكوبا، وبقي فيها السودان مع كل من إيران وسوريا.

ليست واضحة تماماً الأسباب التي تجعل الإدارة الأمريكية تتمسك بعدم شطب اسم السودان من هذه اللائحة مع كل الخدمات الثمينة التي قدمها، وعندما سئل القائم بالأعمال الأمريكي في الخرطوم السبت الماضي عقب رفع العقوبات عن ذلك، اكتفى في إجابة مقتضبة بالقول إن الحكومة السودانية تعرف المطلوب منها، وهو ما يقود إلى التساؤل إن كانت هناك بنوداً سرية غير المطالب المعلنة تنتظر واشنطن من الخرطوم الاستجابة لها.

على أي حال لم تخف الولايات المتحدة مع تعهدها بمواصلة جهودها لتحسين العلاقات الثنائية مع السودان من أن أي تطبيع آخر للعلاقات سيتطلب استمرار تقدم حكومة السودان في التجاوب مع مطالبها، وذهبت أبعد من ذلك حين أعلنت الخارجية الأمريكية في بيان رفع العقوبات الاقتصادية، أنه علاوة على ذلك، فإن الولايات المتحدة مستعدة لاستخدام أدوات إضافية للضغط إذا ما تراجعت حكومة السودان عن التقدم المحرز حتى الآن في المجالات الخمسة المشار إليها أعلاه أو تتخذ إجراءات سلبية بشأن مجالات اهتمام أخرى.

وهو ما يعني أن الإدارة الأمريكية تركت السقف مفتوحاً أمام متطلبات تخفيف ضغوطها عن الحكومة السودانية سواء عن طريق إبقائها تحت ضغط عقوبات مصوبة الأهداف على خلفية قضية دارفور، وأيضاً لائحة الإرهاب التي تنص على أن من بين مطلوبات أحد مسارين لإلغاء الإدراج فيها أن يكون هناك تغيير جوهري في قيادة وسياسة الدولة المعنية، لعل هذا هو ما يثير قلق البعض في النخبة الحاكمة في الخرطوم من أن رفع العقوبات الاقتصادية ليس سوى رأس جبل الجليد لما هو آت، بالتخفيف عن المواطنين والتضييق على السلطة الحاكمة.

كاتب وصحفي سوداني

Khalidtigani@gmail.com