بقلم - جورج علم:
حدث في بيروت أن ضاعف وزير الدولة السعودي لشؤون الخليج ثامر السبهان تغريداته ضدّ إيران، محرّضا الحكومة، والشعب على التحرّك ضدّ حزب الله. وفجأة يلغي رئيس الوزراء سعد الحريري مواعيده، ويغادر إلى الرياض تلبية لاستدعاء عاجل، حيث يلتقي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، ثم السبهان.
أصاب القلق الطبقة السياسيّة نتيجة هذا الاستدعاء المغاير لأبسط اللياقات البروتوكوليّة، لكن الحريري عاد في اليوم التالي إلى بيروت ليستأنف نشاطه مبشّرا اللبنانيين بأن المملكة حريصة على الاستقرار، وعلى السلم الأهلي.
وبعد يومين، يستدعى الحريري على عجل إلى الرياض تحت عنوان «زيارة عمل»، وأثار هذا حفيظة اللبنانيين كونه الثاني في أقل من أسبوع، ولم يعرف بمن اجتمع، ولماذا أستدعي، وفجأة يطلّ في اليوم التالي من على شاشة «العربيّة» ليعلن من الرياض استقالة حكومته، ويتلو بيانا عالي النبرة ضدّ إيران، وحزب الله، ويتحدث عن محاولات كانت تستهدفه.
فوجئ السياسيون بصدمة الاستقالة ولسان حالهم يقول: «ما الذي استجد؟. في الأمس عاد من الرياض وبشّرنا بالاستقرار، واليوم استقالة مباغتة، وبيان يستنهض فيه الهمم لمواجهة حزب الله، والمشروع الإيراني في المنطقة؟!». وسارع رئيس الجمهوريّة العماد ميشال عون إلى القول إن الحريري اتصل به هاتفيّا ليبلغه الاستقالة، و»لكننا ننتظر عودته إلى بيروت لنطّلع منه على حقيقة ما جرى كي يبنى على الشيء مقتضاه».
كانت هذه إشارة رئاسيّة أولى توحي بأن الحريري قد أرغم على الاستقالة، إلى قائل بأنه قيد الإقامة الجبريّة، ويخضع للتحقيق على خلفيات ماليّة تتعلق بمشاريعه في المملكة، إلى مغرّد بأن الرياض قد انتقلت من موقع القول إلى موقع الفعل في مواجهة المشروع الإيراني بالتفاهم مع الولايات المتحدة، وإسرائيل. وقبل انكشاف الحقائق سارع الرئيس عون إلى الاتصال بالقيادات والفعاليات متمنيّا عليها الحرص على الهدوء، إفساحا في المجال أمام المعالجات المجدية، ثم اتصل بأمير دولة الكويت الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح، وناقش معه الوضع المستجد، واتفقا على تأجيل الزيارة التي كانت مقررة إلى الكويت.
وحده الوزير السابق وئام وهّاب خرج عن صمته، وتمنّى على الرئيس عون استدعاء سفراء الدول الكبرى للمساعدة على إخراج الحريري من السعوديّة إلى إحدى الدول الأوروبيّة، مؤكدا فرضية الاعتقال، أو الإقامة الجبريّة، إلاّ أن تيار المستقبل الذي يتزعمه الحريري لم يذهب في هذا الاتجاه، لا بل ركّز على الاستقالة، والانقلاب على التسوية التي جاءت بالحريري رئيسا للحكومة، واختياره الطوعي الوقوف إلى جانب السعوديّة، والولايات المتحدة، وإسرائيل في مواجهة المدّ الإيراني. وذهب البعض إلى حدّ القول إن السعوديّة انحرفت بعيدا نحو السياسة الهجوميّة التي يعبّر عنها السبهان من خلال تغريداته الاستفزازية، والتي تبشّر اللبنانيين بالويل والثبور، وعظائم الأمور.
وحدث في بيروت أن استحقاقات داهمة كانت ستأخذ طريقها نحو التنفيذ، وأبرزها الموافقة على تلزيم أول حقل نفطي لبناني في المياه الإقليميّة إلى شركة أجنبيّة بعروض مغريّة، لكن الحكومة استقالت تحت وطأة ظروف باتت معروفة لمنع لبنان من التحكم بنفطه، وغازه. وكانت الاستعدادات جارية على قدم وساق للتفاهم على آلية تنفيذ قانون الانتخاب الجديد القائم على النسبيّة، لكن الأولويات تبدّلت بعد الذي حصل، ولا أحد يستطيع أن يجيب على السؤال التقليدي: «لبنان إلى أين؟!».
وحدث في الرياض أن السعوديّة تريد مواجهة إيران في بيروت، ولا همّ إن عاد لبنان ساحة لتصفية الحسابات الإقليميّة، وخاصرة رخوة أمام الاعتداءات إسرائيليّة تحت شعار مواجهة حزب الله، رغم الأخطاء في الحسابات، والتمادي في الرهانات الخاطئة التي تعيد خلط الأوراق من جديد في المنطقة برمتها. ويرى الرئيس عون أن الوقت غير ملائم للمراهقات السياسيّة، وما هكذا تورد الإبل، ولا بدّ من التعاطي مع الأمور بحكمة، ورويّة، والنظر بتمعن إلى الأفق الإقليمي-الدولي للتعرف إلى العناوين الكبرى التي تشغل الدول المقتدرة، ومدى انعكاساتها على أوضاعنا الأمنيّة، والسياسيّة، والاقتصاديّة، ومن هذه الزاوية بالذات يجب الاهتمام لمعرفة الظروف والخلفيات التي دفعت بالرئيس الحريري إلى الاستقالة؟!».
وانطلاقا مما تقدم، وتماشيّا مع سياسة الاعتقالات، والملاحقات السائدة راهنا في المملكة، يطرح في بيروت سؤال كبير: من يحكم السعوديّة، الطموحات الجموحة، أم الانفعالات، والنزوات المنفلتة؟، ولماذا هذا الإصرار «السبهاني» على اغتيال الطائف؟!..

كاتب لبناني