بقلم - خالد التيجاني النور:

وقد تبقّت أيّام قلائل على اتخاذ الرئيس دونالد ترامب قراره المُرتقب بشأن مصير العقوبات الأمريكيّة الاقتصاديّة المفروضة على السّودان لأكثر من عشرين عاماً، يحبسُ أغلب السودانيين أنفاسهم وهم يتطلّعون إلى قرار إيجابيّ يخفّف الآثار السّالبة للحصار، الّتي تضرّر من جرّائها عامة المُواطنين بأكثر مما تسببّت في إضعاف الحكومة المُستهدفة بها أصلاً، غير أنّ البون شاسع بين التمنّيات وحقائق المصالح في العلاقات بين الدول.

لا أحد على يقين من القرار الذي سيتّخذه الرئيس ترامب، سوى اتفاق الجميع على أنه صاحب الكلمة الأخيرة، على الرّغم من أنّ الوكالات التنفيذيّة المُختلفة في الإدارة الأمريكيّة في وزارة الخارجيّة وأجهزة الاستخبارات والأمن القوميّ تُوصي برفع العقوبات بناءً على تقييمها الإيجابيّ لالتزام الحكومة السّودانيّة بخُطّة المسارات الخمسة التي تبنّتها إدارة الرئيس السّابق باراك أوباما في نصف العام الأخير لولايته، وبادر قبيل مغادرته البيت الأبيض بأسبوع إلى إصدار أمر تنفيذيّ مُفاجئ برفع جزئيّ ومؤقّت للعقوبات المفروضة بمُوجب أمرين تنفيذيّين لسلفيه الرئيس بيل كلينتون والرئيس جورج بوش الابن.

وحسب أمر أوباما التنفيذيّ فقد تمّ رفع العقوبات الاقتصاديّة والتجاريّة جزئيّاً ومؤقّتاً بمُوجب رخصة عامة استثنائيّة من مكتب مُراقبة الأصول الأجنبيّة (أوفاك)، وترك لخلفه ترامب فرصة ستة أشهر أخرى لاختبار أفعال الحكومة السودانيّة، وعلى الرّغم من أنّ الوكالات التنفيذيّة الأمريكيّة المعنيّة بتقييم سلوك والتزام الخرطوم بالاشتراطات الأمريكيّة أوصت بالمُصادقة على أمر أوباما في نهاية الأشهر السّتة في يوليو الماضي، إلا أنّ الرئيس ترامب أصدر أمراً تنفيذيّاً أجّل بموجبه اتخاذ قراره لثلاثة أشهر أخرى حتى 12 أكتوبر الجاري، بداعي عدم اكتمال إشغال وظائف إدارته المعنيّة بالشّؤون الإفريقيّة بما فيها السّودان. ولذلك يبقى السّؤال ما الّذي تغيّر خلال الأشهر الثّلاثة المُنصرمة، وما هي المُعطيات التي تحكم حسابات ترامب عندما اتخذ قراره؟.

في الواقع فإنّ مسألة العقوبات أكثر تعقيداً مما تبدو عليه، فالسّودان يخضع لسلّة واسعة ومتنوّعة من العقوبات: النوع الأوّل تلك الصّادرة بأوامر تنفيذيّة رئاسيّة؛ أوّلها الأمر التنفيذي 13067 الذي أصدره الرئيس بيل كلينتون في نوفمبر 1997م، الذي تمّ بمُوجبه فرض عقوبات اقتصاديّة وماليّة وتجاريّة شاملة، والّذي استند إلى إضافة السّودان للائحة الأمريكيّة للدول الراعية للإرهاب في 1993م، ثمّ أعقبه الأمر التنفيذيّ الثّاني 13400 الذي أصدره الرئيس جورج بوش الابن في أبريل 2006م، حيث تمّ توسيع نطاق العقوبات لتشمل حظر الأفراد، الّذين تثبت مُساهمتهم في نزاع دارفور، وحجز أملاكهم، وأعقبه بالأمر التنفيذيّ 13412 في سبتمبر 2006م، الذي قضى باستمرار حجز أموال الحكومة السودانيّة، مع إضافة حظر كل المُعاملات التي قد يقوم بها أي مُواطن أمريكيّ في مجال صناعة البترول والصناعات البتروكيميائيّة في مجال النّفط وأنابيب النّفط السّودانية.

أمّا النّوع الثّاني من العقوبات، فقد صدر بتشريعات من الكونجرس الأمريكيّ وهي قانون سلام السّودان في 2002م، قانون سلام السّودان الشّامل 2004م، وقانون سلام ومُحاسبة دارفور 2006م، وقانون المُحاسبة ونزع الاستثمار في السّودان 2007م. وبالتالي فإنّ أمر أوباما التنفيذيّ، وأمر ترامب المُنتظر يقتصر على إلغاء الأمرَين التنفيذيّين 13067، و13412، وهو ما يقود إذا حدث إلى تحويل التجميد المؤقّت لرفع نهائي لآثارهما التي تشمل فكّ الأصول المجمّدة، والمعاملات البنكيّة والمصرفيّة، وكلّ المعاملات التجاريّة والاستثماريّة، مع بعض الاستثناءات مثل شراء المعدات العسكريّة والأجهزة المُتقدّمة، والأجهزة ذات الاستعمال المُشترك.

لا تخفي الإدارات الأمريكيّة المُتعاقبة أنّ العقوبات من وسائل تنفيذ السّياسة الخارجيّة، وأنّ فرضها على السّودان، وعلى غيره، غرضه بوضوح الضّغط على الحكومة لتغيير السّلوك السياسيّ والتّماهي مع مُتطلبات خدمة المصالح الأمريكيّة، ومن المُؤكّد أنّ واشنطن نجحت بامتياز في تحويل الحكومة السودانيّة من خانة السّلطة الثوريّة المتبنية لشعارات إسلاميّة جهاديّة، إلى حليف وثيق ظلّ يخدم الأجندة الأمريكيّة على مدار العقدين الأخيرين بلا مُواربة، وللمُفارقة، ليس دون الحصول على مُقابل يبرّر الاستمرار في تقديم الخدمات المجانيّة، لا سيّما الانخراط بشكل كامل في الحرب الأمريكيّة على "الإرهاب" منذ العام 2000، بما في ذلك التّضحية بشعارات إسلاميّة ظلّت ترفعها طوال عقد التسعينيات، وتجفيف وجود حركات المُقاومة الإسلاميّة التي كانت تحتضنها، وأكثر من ذلك جاء تقسيم السّودان استجابة لضغوط أمريكيّة وإغراء بوعد رفع العقوبات وتطبيع العلاقات، كان واضحاً لواشنطن أنّ فرض المزيد من الضغوط هي السّياسة الأكثر فعالية في الحصول على المزيد من الخدمات المجانّية والتّنازلات، ولذلك ظلّت تتلكأ في الوفاء بوعودها حتى لا تفقد أداتها الفعّالة.

على أيّ حال مهما يكنْ القرار الّذي سيتّخذه ترامب، فإنّه لن يؤدّي بالضرورة إلى تغيير سريع وعاجل في طبيعة الأزمة السّياسية والاقتصاديّة والاجتماعيّة المُركبّة التي يعيشها السّودان، صحيح أنّ رفع العقوبات الجزئيّ بصورة نهائيّة سيُحدث بعض الانفراج النفسي للضّغوط الحالية التي يُعاني منها السّودان، لكن سرعان ما سيكتشف الجميع أنّ العقوبات ليست أسوأ ما تعاني منه البلاد، كما أنّه سيجعل الحكومة في مُواجهة تحديات صعبة بعد زوال مُبرّر "شمّاعة العقوبات"، ذلك أنّ تحدّي إيقاف الحرب وتحقيق السّلام، والانتقال السّياسيّ، ومُعالجة إفرازاتها الاقتصاديّة والاجتماعيّة هي أجندة وطنيّة بامتياز.

كاتب وصحفي سوداني

Khalidtigani@gmail.com