بقلم - محمد عبدالله المري :

دائماً ننتظر الوقت، ونترقب الأحداث التي يحملها في طياته بينما يركض بنا في هذه الحياة، ومن شدة شوقنا لقدوم ذلك الراكض، يبطئ خطواته ليزداد اشتياقنا له ولكن هناك من لا يترقبه ويأمل في أن يستطيع للحظة أن يمسك به، أو أن يتعثر الوقت برجله، وهؤلاء يعاندهم الوقت ويسرع ويوسع خطواته حتى يستطيع قهر إصرارهم، ولكنه لم يكن يعلم أنهم بخيالهم استطاعوا قهره، فبخيالهم استطاعوا تصحيح واقعهم دون مساعدة أحد، كان إصرارهم أكبر من خوفهم، كان حبهم للحياة أقوى من قسوتها، كانت ثقتهم بالله أغلى من أن يتخلوا عنها بسهولة، وبسبب إصرارهم وحبهم وثقتهم كانت أحلامهم أجمل من واقعهم بكثير.

لم تعد أعينهم ترى تلك البشاعة التي نراها على الشاشة، وآذانهم لم تعد تسمع تلك الانفجارات. قهروا تلك الظروف، فحولوها إلى لوحةٍ جميلة لا يستطيع رؤيتها إلا من يعيش معهم وفي مثل ظروفهم. في تلك اللوحة تتحول القنابل الساقطة إلى حلوى كثيرة ولذيذة، والطائرة الحربية لعبة ترسم لهم أشكالاً جميلة لحيوانات مختلفة على الغيوم. أصوات الانفجارات إلى سيمفونية رائعة، النار التي تشتعل بها سرائرهم عطر خاص، الدخان المتصاعد ذو اللون الأسود، هو بالونات بألوان مختلفة صعدت لتشارك الغيوم تطلعاتهم المستقبلية الجميلة والبريئة.

هروبهم من موقع الانفجار هو لعبة الغميضة، البرد القارس هو رفيقهم في جلسات السمر في المخيمات، الخوف صديقهم والقلق حبيبهم. احتووا تلك الظروف القاسية حتى استحت الظروف، ولكننا لم نستح بعد.

ما زلنا نطلق على مخيماتهم «مخيمات اللاجئين» نصرخ في وجوههم:- أنتم اللاجئون .. أنتم الهاربون .. أنتم المبعدون .. أنتم المذنبون.

بينما في الحقيقة بصبرهم وبراءتهم وحبهم وجمالهم، صرخوا هم في وجوهنا: نحن الرائعون .. نحن المميزون .. نحن الجميلون .. نحن الصابرون.

من جمالهم استحت الظروف. من صبرهم انقهر الوقت. من عزمهم انبهر القدر. وقفوا وصرخوا «شكراً يا وقت» شكروه لأنه سرَّع أحداثهم المؤلمة. ثم طلبوا منه التمهل حتى لا يفسد عليهم لحظاتهم الجميلة التي يعيشونها في الأيام المتشابهة، وصوتهم الذي لا يسمعه إلا هم.

عندما جفت دموعهم ونبض قلبهم، رفعوا أيديهم للسماء، وتوقف الوقت ورجع خطوات قليلة للوراء والتفت ذلك الراكض لأول مرة لهم وانحنى حتى استوى ظهره. عاد وجلس معهم هو والقدر والخوف والقلق والصبر، وظلوا يرددون (آمين).