بقلم - منى عبدالفتاح:

من بين شرر الحرب الكلامية بين كوريا الشمالية والولايات المتحدة، خرج القس روبرت جيفريس المستشار الديني للرئيس الأمريكي دونالد ترامب بصكٍّ مفاده أنّ الله منح ترامب سلطة القضاء على زعيم كوريا الشمالية كيم جونغ أون. فكانت الغرابة لصياغة رجل دين حديثه من تصريحٍ متهوّر لترامب رداً على تهديدات كوريا الشمالية التي قال فيها إنّه سيقابلها بنارٍ وغضب لم يرهما العالم قط. ولكن المراقبين وضعوا حديث القس في سياق تأييده المتحمس لترامب وسياسته. وهنا يقف القس الذي من المفترض أن يكون داعية للسلام جنباً إلى جنب مع مجموعة العسكريين الذين يحيطون بترامب وهم الجنرالات: جون كيلي كبير موظفي البيت الأبيض، جيمس ماتيس وزير الدفاع، وهربرت ماكمستر مستشار الأمن القومى.

وبوصول الأزمة النووية بين البلدين نقطة اللاعودة، فرض مجلس الأمن الدولي بالتصويت بالإجماع عقوبات اقتصادية جديدة صارمة على كوريا الشمالية، وهو أقصى ما يمكن أن يفعله المجتمع الدولي بالإضافة إلى الضغوط الدبلوماسية حتى يخضع كيم إلى طاولة المفاوضات. في الواقع يظلّ هذا الحل عديم الجدوى خاصة مع إعلان إدارة ترامب النظر في الخيارات العسكرية، بما في ذلك «الحرب الوقائية». كما أنّ الضربة الاستباقية أيضاً لن تكون الحل العملي الأمثل الذي يمكن أن يؤدي إلى نزع السلاح النووي في كوريا الشمالية أو إسقاط نظام كيم. وإزاء هذا التصعيد فستكون الاحتمالات مفتوحة على اتجاهات عديدة منها وصول الطرفين إلى الذروة المؤدية إلى المواجهة العسكرية أو إعادة التوحيد السلمي للكوريتين.

وحيث لا مجال هنا لتطبيق توازنٍ دولي يخدم السلام أو الهدنة إلى حين الوصول إلى مفاوضات، فإنّه عوضاً عن ذلك قد تقود الأحداث إلى مسارين متوازيين. المسار الأول هو «التدمير المؤكد» حيث إنّ إمكانية القدرة على التدمير الشامل يمكن أن تتحقّق مع تعنّت الطرفين أو أيٍّ منهما فتخلق في هذه الحالة تيرمومتراً يقيس حالة الهجوم أو ما يمكن أن يكون رداً رادعاً، وهذه الأخيرة ستجعل الطرف المعتدي أو المُستفَز يفكّر فيما يمكن أن يناله ويدمّر جيشه. ولو تخطى التدمير المجال العسكري فستكون المرحلة التالية هي المجال المدني ولهذا السبب ستكون فرص الركون للحل السلمي بالطرق السياسية أكثر توقعاً في الظروف الطبيعية وعند العقلاء.

أما المسار الثاني فهو «توازن الرعب» الذي يعني نظرياً تلك الحالة التي لا يملك فيها أي طرف تدمير الطرف الآخر، خوفاً من التدمير المتبادل. ولا يتطلب ذلك تكافؤاً عددياً في الوسائل النووية، ولكن وجود الحد الأدنى يُعدُّ كافياً لحدوث هذا التوازن. وقد ينشأ هذا التوازن في غياب توازن القوى، وعلى الرغم من ذلك فإنّه يؤدي إلى نوع من الاستقرار في حالة توفره، كما أنّ عدم وجود حالة توازن الرعب لا تؤدي بالضرورة إلى عدوانية السلوك للطرف الأقوى الذي يمتلك قوة نووية. أما بالنسبة لهذا المسار من الواقع العملي وبالنظر إلى شخصيتي الرئيسين ترامب وكيم جونغ أون فإنّ حالة التوازن تنتفي ليحلّ محلها الرعب بشنّ حرب لا يدرك نتيجتها أحد. وتكمن في شخصية ترامب ميله النرجسي ونزوعه إلى الصراعات، لتجرده من الإحساس بالذنب وعدم تقديره للأمور بشكل سليم، أو بسبب تعويض ضعفه السياسي. أما ديكتاتور كوريا الشمالية كيم فمعروفٌ عنه أنّه يستمتع بعمليات الإعدام البشعة لأفراد أسرته ورفاقه المقربين.

وبالرغم من ذلك فإنّ هناك عوامل إذا تم أخذها في الاعتبار فستحدّ من فكرة توجيه ضربة عسكرية إلى كوريا الشمالية. هذه العوامل هي تهوّر كيم، وتوازن القوى، وعدم حصول ترامب على دعم دولي، وعدم تأييد كوريا الجنوبية لهذه الضربة ثم النتائج المروّعة للهجوم النووي -في حال حدوثه- والمنبعث من تاريخ ضرب أمريكا لهيروشيما وناجازاكي اليابانيتين.

تُعتبر الصين الدولة الأكثر ترشيحاً للمساهمة في حلّ الأزمة والأكبر تأثيراً وبإمكانها أن تلعب دوراً فعّالاً باعتبارها الشريكة التجارية الرئيسة لكوريا الشمالية والمزّود الأكبر لاحتياجاتها من الغذاء والوقود. وتحاول القوى الدولية أن تضغط على الصين لتهديد كوريا بقطع هذه الإمدادات إن لم تحدّ الأخيرة من نشاطها النووي. ولكن الصين سبقت الضغوط الدولية باقتراح التجميد النووي والصاروخي بشكلٍ مزدوج لكلٍّ من كوريا الشمالية والولايات المتحدة من جهة، ومن جهة أخرى اقترحت تجميد المناورات العسكرية المشتركة بين الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية. ولكن لم يجد هذا الاقتراح تجاوباً من الطرفين المعنيين أو المجتمع الدولي وبدأت الأنظار تزيد من تركيزها على مطالبة الصين بدورٍ أكبر.

 

كاتبة سودانية