يُشبَّه العالم اليوم بأنَّهُ قريةٌ صغيرةٌ بفضل التطور السريع في التكنولوجيا، فقد أصبحت عمليّة التّواصُل ونشر المعلومات بسُرعة فائقة تشمَل كُلّ بقاع العالم، ممّا أثَّرَ بشكل كبير على حياة الإنسان، وأحدثَ تغييرا جذريّا فيها، فازدادت سُبُل التّرفيه، وأصبحَ العالم الآن يعتمد اعتماداً كُلّيّاً على التّكنولوجيا، مع العلم بأنَّ هذه التّكنولوجيا تحمل خطراً كبيراً كافياً لتدمير المُجتمع إذا لم يُحسَن التصرُّف بها، وفي عالمٍ من الأجهزة المُتَّصِلة بالإنترنت التي يمكن استهدافها من قِبَل المُخترِقين، أصبح السماع عن اختراق الهواتف الذكية وأجهزة الكمبيوتر وتحويلها إلى أدوات تجسُّس أمراً شائعاً في أحاديثنا، لكن مؤخراً أُضِيفَ جهازٌ شائع آخر إلى قائمة أجهزة الترصُّد المحتملة: التلفزيونات الذكية.

التلفزيون لجهاز تنصت

وقد نشر موقع ويكيليكس وثائق تكشف أن وكالة الاستخبارات الأمريكية يمكنها تحويل التلفزيون في أي منزل إلى جهاز للتنصت، وأشار الموقع في مقتطفات منشورة على صفحته بموقع فيسبوك إلى أن المخابرات الأمريكية تستعمل بشكل خاص أجهزة تلفزيون سامسونج الذكية للتجسس، من خلال فتح سماعة التلفزيون والتنصت لما يدور داخل المنزل، وحسب المقتطفات المنشورة فإن عملية التجسس شملت بشكل خاص دول أوروبا، والشرق الأوسط، وشمال أفريقيا، والواقع أن هذا النوع من التسريبات لم يعد يفاجئ هيئات حماية المستهلكين ولا حُماة البيانات الشخصية الذين يعتبرون شبكة الإنترنت مصدرا للمخاطر وفق ما ذكرت صحيفة التليجراف البريطانية.

التلفزيونات الذكية

وتعتبر التلفزيونات الذكية Smart TV، مثل هواتفنا النقالة، في الكثير من الأحيان شاهِدة على حياتنا الخاصة، فعادة ما توضع وسط منازلنا، كما تكون في الغالب مُجهزة بكاميرات وميكروفونات، بالإضافة إلى ذاكرات داخلية، والتي بالإمكان استخدامها لرصد ما تقوم به، وما تقوله، وما تشاهده، وتُعَد التلفزيونات الذكية، باعتبارها أكثر حداثة مُتَّصِلة بالإنترنت، أقل عرضة للحصول على دعم أمني مناسب، ويعود ذلك جزئيا إلى أنَّ المستخدمين لا يتوقعون وجود مثل ذلك الدعم بسبب التنوع في أنظمة التشغيل المختلفة، ولأنَّ الأمن ليس عادةً من اختصاص الشركات المُصنِّعة للتلفزيون، أضف إلى ذلك أن المستخدمين أقل احتمالاً لاستخدام أفضل إجراءات الأمن، مثل تغيير كلمات العبور وتحديث البرمجيات بانتظام، حينما يتعلَّق الأمر بتلفزيوناتهم، وقد أظهرت الأنباء الأخيرة أن الجميع بدءا من المُصنعين، مروراً بالمُعلِنين، ووصولاً إلى وكالات الاستخبارات يمكن أن يراقبوك من خلال تلفزيونك.

بيانات التعرف الصوتي

وظهرت المخاوف من أن أجهزة التلفزيونات الذكية يمكن أن تراقب مالكيها بادئ الأمر في 2015 حينما حذَّرت إحدى سياسات الخصوصية لشركة سامسونج من أن كل بيانات التعرف الصوتي قد تُمرر إلى طرف ثالث، إذ قالت: أعلم أن كلماتك المنطوقة إذا ما كانت تتضمَّن معلومات شخصية أو غيرها من المعلومات الحسَّاسة، فإنَّها ستكون ضمن البيانات التي تُلتَقَط وتُنقَل إلى طرف ثالث عبر جهاز التعرُّف الصوتي الموجود لديك.

11 مليون جهاز جاسوس

وفي وقت سابق من هذا العام، كشفت مفوضية التجارة الفيدرالية في الولايات المتحدة، ولأول مرة بشكل رسمي، أن 11 مليون جهاز تلفزيون ذكي تقوم بالتجسس على مستخدميها وهم لا يعلمون، في واحدة من أضخم عمليات الاختراق وانتهاك الخصوصية التي يتم تسجيلها في العالم منذ ظهور ثورة التكنولوجيا الحديثة، وتعود هذه الأجهزة التلفزيونية إلى شركة «فيزيو»، وهي واحدة من أشهر شركات التكنولوجيا الأمريكية وتتخذ من ولاية كاليفورنيا مقراً لها، كما أنها أحد أشهر منتجي أجهزة التلفزيون الذكية التي يمكن ربطها بالإنترنت وتشهد رواجاً كبيراً على مستوى العالم، وغُرمت الشركة بـ 2.2 مليون دولار لتتبُّعها عادات المشاهدة الخاصة بالمستخدمين دون علمهم ومشاركة تلك المعلومات.

وضع إغلاق زائف

وبالإضافة إلى تتبع الشركات المصنعة للمشاهدين، كشف موقع ويكليكس أن وكالات الاستخبارات وإنفاذ القانون يمكن أن تراقب المواطنين من خلال تلفزيوناتهم، وزعمت المعلومات التي نشرها الموقع أنَّ المكتب الخامس (المخابرات الحربية البريطانية)، ووكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية قد صنعا وضع "إغلاق زائف"، (أي الإيهام بأن التلفزيون قد أُغلِق لكنه ليس كذلك)، لتلفزيون سامسونج من طراز F8000، وهو ما سمح بتسجيل محادثات المستخدمين بصورة سرية عبر الكاميرا والميكروفون.

وبإمكان الشركات المُصنعة مراقبة زبائنها فقط إذا ما حصلت على موافقاتهم، وتُطلب تلك الموافقة غالباً خلال عملية تهيئة الجهاز للتشغيل، لكن يمكن أن تلغى عموماً في وقتٍ لاحق من خلال ضبط الإعدادات.

التحديث الذاتي

هناك طريقة أخرى لحماية نفسك بالتأكد من أن تلفزيونك يُشغل أحدث البرامج، ويمكنك القيام بذلك من خلال تشغيل وضع التحديث الذاتي أو التحقُّق بانتظام من وجود تحديثات جديدة في الإعدادات، لكن خبراء يقولون إن أسهل حل هو التخلي الكلي عن الاستعمال، فتفادي استعمال الأجهزة الذكية هو الضمانة الأمثل لتلافي المتجسسين، لكن هذا الاقتراح يبدو غير قابل للتنفيذ في عالم سمته الأبرز الأجهزة الذكية وإنترنت الأشياء.

الملاك الباكي

وقالت شركة سامسونج إنها تبحث بصورةٍ عاجلة حول إمكانية أن تكون وكالة الاستخبارات المركزية قد راقبت محادثات زبائن الشركة خلال عملية الاختراق التي سُميت "الملاك الباكي"، (Weeping Angel)، لكنَّها لم تُعلق على صحة الادِّعاءات، وإذا ما وجدت الشركة مشكلة، فإنَّها على الأرجح ستُصدِر تحديثاً أمنياً لإصلاح الخلل، وعبر مستخدمو مواقع التواصل الاجتماعي عن دهشتهم من تقرير موقع ويكليكس ضمن هاشتاج #weeping_angel الذي اجتاح موقعي تويتر وفيسبوك، واجتاحت سخرية واسعة الهاشتاج ومن بين المقترحات العودة إلى العصر الحجري والتخلص من جميع الأجهزة الذكية.