بقلم / طـــه خـلـيفـة - كاتب وصحفي مصري :

في غضون أسبوعين جرت ثلاثة انتخابات رئاسية في ثلاثة من بلدان الديمقراطيات الناشئة، لكل بلد منهم أوضاعه ومشاكله وأزماته الخاصة، لكن هذا لم يمنع إجراء الانتخابات في أجواء من الحرية، والتصويت النزيه، دون حدوث خروقات، أو تدخلات من الحكومات القائمة قد تؤثر على جوهر النتائج. التصويت تم في يوم واحد، وخلال ساعات محددة، وبعد وقت قصير من إغلاق الصناديق بدأت تتوالى مؤشرات النتائج غير الرسمية التي تطابقت بعد ذلك مع النتائج الرسمية، ثم عادت الحياة إلى طبيعتها سريعاً، وكأنه لم يكن هناك معارك سياسية شرسة، استمرت شهوراً، حسمها الناخبون، واختاروا من يحكمهم بكامل إرادتهم. نتحدث هنا عن كولومبيا، وتركيا، والمكسيك، حسب ترتيب مواعيد إجراء الانتخابات في كل بلد منها، والناظر لأسماء البلدان الثلاثة سيجد أنها لا تنتمي للعالم الأول المتقدم ديمقراطياً واقتصادياً، لكن الميزة المهمة أن الديمقراطية منظومة حكم ونهج حياة سياسية إنسانية عامة، ومن ينخرط فيها، ويتفاعل مع قيمها، ويلتزم بآلياتها سيلتحق بركب الدول العريقة فيها والمتطورة حضارياً. في كولومبيا فاز إيفان دوكي بالرئاسة بنسبة 54,28 % من أصوات الناخبين، وفي تركيا حصد الرئيس أردوغان 52,59% من الأصوات، وفي المكسيك فاز أندريس أوبرادور بـ 53%، هذه النسب التي كسرت حاجز الـ 50% بالكاد مؤشر على نزاهة الانتخابات، وشفافية التصويت، وعدالة المنافسة، ونتائج الانتخابات في الأنظمة الرئاسية في كل البلدان الديمقراطية تدور حول هذه النسب، ولا تختلف في الأنظمة النيابية، حيث يفوز حزب واحد بغالبية محدودة للمقاعد، أو لا يحقق أي حزب الغالبية، لا يوجد الحزب الذي يكتسح المقاعد، ويهيمن وحده على البرلمان، ويُقصي المعارضة، الاكتساح سواء في الرئاسة أو البرلمان لا يحدث إلا في الانتخابات المصنوعة على مقاسات أشخاص وأحزاب بعينهم. الانتخابات الحقيقية لا تعرف الفوز الكاسح لمرشح يحوز فوق التسعين في المائة من الأصوات، ولا حتى الثمانين، أو السبعين، وعندما تكون النتائج على هذه الشاكلة، فالمؤكد أن هناك شيئا ما غير طبيعي ضرب جوهر العملية الانتخابية، وجعلها شكلية، النتائج الكاسحة التي لا يصدقها عقل، ولا يسندها واقع، تجدها في البلدان التي تدّعي الديمقراطية، هناك أنظمة عربية اخترعت أعجوبة الفوز بالتسعات الثلاث «99,9%»، والنسب الإعجازية لا يحصل عليها إلا الرئيس المترشح سواء كان في استفتاء عليه وحده، أو في انتخاب تنافسي شكلي، ومن المعتاد في هذا النمط من الأنظمة أن يبقى الحاكم مترشحاً على الدوام، ولا يغادر السلطة مهزوماً انتخابياً، بل يغادرها - إذا لم يكن بالوفاة الطبيعية - بوسائل أخرى غير طبيعية، وغير ديمقراطية، مثلما جاء إليها بوسائل غير ديمقراطية، ولهذا وبدون الانخراط في ديمقراطية فعلية، فإن هذا النمط من الدول لن تغادر سجن التخلف، وستبقى مرتبطة بالأزمات والصراعات والحروب والفقر والفساد والديكتاتوريات، وستظل تابعة للقوى الكبرى تحركها كيفما تشاء، وتبتزها كما تريد. كولومبيا، وتركيا والمكسيك في ممارستها للانتخابات الحرة تؤكد أن الديمقراطية مسألة بسيطة وسلسة وخارج التعقيد الذي يروجه دعاة التسلط، والخوف من خضوعهم للامتحان الشعبي الحر، ليس هناك أيسر من صندوق انتخابات شفاف، تسبقه إرادة بالتحول الديمقراطي من مؤسسات وتحالفات مراكز القوة والسيطرة على مفاصل الدول، وهذه المؤسسات مهما احتكرت السلطة، وحكمت بقبضة من حديد، وقمعت رغبات الإصلاح، فإنها لن تتقدم ببلادها خطوة للأمام، والوعي بهذه الحقيقة هو بداية الخروج من الحلقات المفرغة التي تدور فيها الأنظمة التي تسير عكس حركة التاريخ. دول أمريكا اللاتينية، ودول أخرى في مختلف قارات العالم، عانت من الديكتاتوريات -ومنها البلدان الثلاثة التي نتحدث عنها- أدركت بتجرد هذه الحقيقة، وسعت للخلاص النهائي من داء السلطوية، وبالفعل لم تقف هي وغيرها على قدميها إلا بعد العودة للحكم الرشيد، وطريقه الآمن هو الإرادة الشعبية في اختيار سلطات الحكم المدني الدستوري بديمقراطية لا تكذب ولا تتجمل ولا تنافق ولا تخادع. هذه ثلاثة نماذج لانتخابات وديمقراطيات تقدم شهادة ثقة واطمئنان في نتائجها، وفي حسن سير بلدانها على طريق الأمان الوطني والمجتمعي، ولهذا فهي لا تعيش أوضاعاً استثنائية، ولا تغرق في كوارث من صنع حكام يفرضون الوصاية على شعوبهم، بل يسود الأمل والتفاؤل نفوس المواطنين الذين لا يلحقهم ضرر كبير من الحكم الديمقراطي مهما كانت السلبيات، مقارنة بالضرر الفادح للشعوب التي تقع تحت وطأة حكم الاستبداد. 

 

tmyal66@hotmail.com