بيروت - منى حسن :

أدراج بيروت وثيقة تاريخية تروي للأجيال على مر السنوات حكاية مدينة ولدت يوم هدمت سورها وشيّدت أدراجها كي يدخل إلى قلبها الضوء والحرية والازدهار والحياة التي لا تموت رغم الحروب التي شهدتها هذه المدينة على مر العصور والأزمنة.

ولعبت الأدراج الحجرية القديمة في مدينة بيروت دوراً كبيراً كصلة وصل وتواصل بين سكان الهضاب والتلال وبين البحر والمرفأ والأسواق التجارية التي كانت قد فتحت أبوابها داخل أسوار بيروت.

وحتى العام 1850 كانت معظم الهضاب التي تحيط بالمدينة، وبخاصة منطقة الأشرفية ورأس بيروت وبالتحديد منطقة الجامعة الأمريكية والحمراء وأكثرية المناطق الأخرى مليئة بالبساتين والأشجار والمزارع وكثبان الرمل، كما منطقة تلة الخياط والروشة والمصيطبة وحي اللجا الذي كان يلجأ إليه الهاربون من السلطات.

في سنة 1874 طلب الوالي العثماني من إحدى الشركات الفرنسية التخطيط لفتح طرق جديدة خارج سور بيروت وتوسيع الأسواق التجارية إلى خارج منطقة المرفأ وفتح طرق من منطقة المدينة إلى التلال والهضاب المحيطة بها والتي من حينها بدأت الأقدام تتجه إليها لبناء مساكن وفيلات وقصور خاصة بعد أحداث عام 1860.

كانت أكثرية الأدراج قبل بنائها في الربع الأخير من القرن قبل الماضي عبارة عن طرق ترابية يسلكها المارة والهاربون من الحكم العثماني آنذاك. وتحوّلت فيما بعد الأدراج نتيجة التوسع العمراني والسكاني إلى أبرز معالم ربط الأطراف الحديثة ببيروت وببحرها وأسواقها، وكانت هذه الأدراج ولمدة طويلة من الزمن الرابط الحيوي الاقتصادي بين سكان الهضاب والتلال الجدد وأسواق المدينة وبخاصة عمّال المرفأ وشغيلة الأسواق. وتحولت هذه الأدراج إلى نمط حياة حافظ عليها السكان وحوّلوا علاقتهم معها إلى صداقة يومية تلامسها أقدامهم صباحاً ثم يمسحون تعب يومهم بحجارتها مساء.

وبعد هدم السور توسعت المدينة وامتدت إلى المناطق المحيطة بالوسط كالباشورة والظريف وزقاق البلاد، فخرجت العائلات الغنية من وسط المدينة، لتشيد منازل في البسطا والجميزة، وبالتالي صار لزوم التواصل مع المدينة بناء أدراج جديدة في هذه المناطق من أشهرها درج تراثي في منطقة رأس بيروت يعود للعهد العثماني، يربط شارع بلس بشارع دودج الموازي لكورنيش المنارة. ويعرف اليوم بدرج محطة جراهام عين المريسة ودرج الجامعة الأمريكية وأدراج عديدة في منطقة عين المريسة وجل البحر ومنطقة المنارة. ومنها أيضاً درج الأمريكان في منطقة زقاق البلاط المجاور للكنيسة الإنجيلية، ودرج خان البيض في سوق العطّارين في وسط المدينة.

أدراج بيروت العمومية والتي تحتضن في عتباتها في ذلك الوقت كان الدرج الأبرز هو درج الفن أو ما يعرف اليوم بدرج مار نقولا الموجود حاليا في منطقة الأشرفية والذي يُعتبر الأطول في بيروت.

أدراج بيروت العمومية والتي تحتضن في عتباتها تاريخ المدينة وقصص حياة أبنائها، هي اليوم بكل جدارة المعالم المستمرة بالحياة في مدينة بيروت والتي تعتبر من أهم الرموز الأثرية التي ارتبطت ليس فقط بالثقافة الشعبية للناس، بل بتاريخ المدينة وجغرافيتها وحركة عمرانها وتوسعها السكاني.

 

الراية زارت درج مار نقولا في منطقة الأشرفية.

يقع الدرج بين محلتي الأشرفية والجميزة في بيروت، هو درج حجري عتيق، يبقى شاهداً رئيسياً على شوارع تضم التراث العمراني للعاصمة اللبنانية. احتفل الدرج طوال تاريخه بالكثير من المهرجانات الفنية. وفيها يتحول إلى مدرج يجلس المتفرجون على عتباته ليتابعوا فيلماً سينمائياً، أو عرضاً غنائياً أو مسرحياً أسفله. كما يتزين الدرج بشتول وأشجار، قد تعيد المار به بالذاكرة إلى أواخر أيام السلطنة العثمانية، عندما رصف بالحجارة، بعدما كان "قادومية" رملية قبلها، على درج مار نقولا صورة كبيرة للشاعر سعيد عقل، وعلى جوانب هذا الدرج كتبت كلمات للتاريخ لجيل لم يعاصر الحقبة الذهبية في لبنان يطالبون الدولة بعدم المس به، على جوانب الدرج تدهشك الأبنية منها القديمة ومنها الحديثة التي رغم حداثتها استطاعت أن تحافظ على تراث هذا الدرج الفني العريق.

وعلى تلك العتبات، يجلس ريمون السبعيين حيث تآلف مع الدرج كجزء من حياته اليومية، يقول: إن هذا الدرج هو قصة تاريخ لكل إنسان يسكن في هذه المنطقة من عمره وأكد أن عدد الدرجات هي 220 وكل درجة تحكي حكاية حبيب، بيده المرتجفة يحمل قبعته من الصوف الشتوي، يشير بيديه الثانية إلى الأهمال الذي أصاب الدرج، يعبر العتبات المبتلة بمياه الأمطار كلّ يوم. ومن حي السراسقة إلى حي الرميل، يوفر عليه الدرج انعطافاً طويلاً جداً.

وتقول جورجيت صليبا البالغة من العمر تسعين سنة إن الأدراج التاريخية هي في حال سيئة وتعاني إهمالا كبيراً إلى درجة تشكل خطراً على السلامة العامة. وطالبت بلدية بيروت بإعداد خطة آنية لتأهيل الأدراج، وخاصة منطقة الأشرفية كونها تضم العدد الأكبر من الأدراج بسبب وجود العديد من المرتفعات بين أحيائها وشوارعها.

ورأت أم جوزف أن درج الفن في الأشرفية يختصر تاريخاً من الزمن ويختصر ذكريات الكثير من الأجيال القديمة

ووصفت مارلين قصارجيان درج مار نقولا بأنه الأجمل في العالم العربي، كما أنّه من أقدم السلالم في العالم العربي وأحد أجمل المناظر التي تم رسمها بشكلٍ رائع وألوان مليئة بالفرح والحياة للدلالة على فرح أبناء البلاد التي لطالما عاشت الكثير من المآسي.

وتقول لمياء فغالي إن هذا الدرج، يربط منطقتي مار نقولا والجميزة لكن مع تطور منطقة الجميزة من الضروري إعادة النظر في دور الدرج وتفعيله، ليكون مساحة عامة يتفاعل فيها سكان الأحياء المحيطة لا أن يبقى فارغاً كما هو الآن حيث لا إنشاءات تجعل استعماله دائماً، ولا نريده أن يبقى فقط لحدث سنوي مثل درج الفن، بل أن يكون استعماله متواصلا على مدى فصول السنة.

واكد إيلي شعيب على أهمية عدم تغيير طابع درج مار نقولا، ويجب الحفاظ على أهميته كأطول درج في بيروت. وطالب بضرورة وجود إنارة ودرابزين ومحطات استراحة في وسطه، وإزالة الهياكل الحديد التي تشوه منظره وقيمته التراثية