«دير شبيجل» : أسماء أخرى سيتم الإعلان عن توقيفها بعد جميل

تحقيقات في عدة بلدان ضد رموز آخرين في النظام السوري

المدعي الألماني لديه شهادات مائة شخص عن الانتهاكات والقتل

أدلة ضد رؤساء أجهزة الأمن السورية تكفي لإدانتهم ومعهم الاسد

برلين - الراية :بيتر فرانك، المدعي الفدرالي الألماني يأخذ ملف جرائم نظام بشار الأسد على محمل الجد، وهو أول مدعي عام في العالم أصدر أخيرا مذكرة إيقاف ضد جميل حسن رئيس مخابرات سلاح الجو السوري واتهمه بارتكاب جرائم ضد الإنسانية، وتحميله مسؤولية تعذيب وقتل المعتقلين. وبناء على هذه المذكرة أصبح جميل حسن مطلوبا للقضاء الألماني في كافة أنحاء العالم. وهذه أكبر خطوة من جانب إحدى دول الغرب، تأتي بعد سنوات من التحفظ الغربي حيال الحرب المروعة في سوريا ودون أن يكون هناك إجماع غربي تجاه بشار الأسد حيث إن التأييد الروسي له دور بارز في حمايته، واعتادت حكومات الغرب أن تعرب عن أسفها تجاه جرائم الأسد ضد شعبه ولا أحد من السياسيين الغربيين فتح فاه مرة واحدة ودعا إلى إحالة الدكتاتور السوري للمحاسبة أمام محكمة جرائم الحرب الدولية في لاهاي.

ملاحقة مجرمين آخرين

أما الآن فقد صدرت مذكرة إيقاف دولية ضد أحد رموز نظامه، وستتبعه أسماء أخرى بحسب مجلة «دير شبيجل» الألمانية في عددها الأخير. فالتحقيقات جارية في عدة بلدان ضد رموز آخرين في النظام السوري ولدى المدعي العام الفدرالي الألماني بيتر فرانك شهادات أكثر من مائة شاهد كثيرون منهم دخلوا ألمانيا في السنوات الثلاثة الماضية ضمن مئات الآلاف من اللاجئين السوريين ويقال أن هناك أدلة ضد جميع رؤساء أجهزة الأمن السورية وما يكفي حتى لإدانة الدكتاتور بشار الأسد وزوجته. وتتراوح التهم بين التعذيب والإعدام في السجون وتجويع المدنيين واستخدام الأسلحة الكيماوية والبراميل المتفجرة ضدهم.

جميل والبراميل المتفجرة

وقيل أن جميل حسن كان صاحب فكرة استخدام البراميل المتفجرة ضد المواطنين لأنها تُلحق القتل والدمار وتثير الهلع في نفوس المدنيين علاوة على أنها أقل كلفة بكثير من القنابل والصواريخ. كما انه لدى المدعي العام الفدرالي مجموعة كبيرة من صور الضحايا الذين قضوا تحت التعذيب في السجون السورية التي كانت تعمل حسب أوامر جميل حسن وقام الشاهد السوري الحامل الاسم المستعار «القيصر» بتهريب أرشيف من الصور يضم أكثر من 55 ألف صورة للضحايا بعد أن تم تكليفه بوضع أرشيف وبحسب المراقبين فإن هذا أهم دليل بيد المدعي العام الفدرالي الألماني منذ عام 2016 من شأنه أن يُحرج بشار الأسد وحاميه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

الضحايا متفائلون

ويسود شعور بالتفاؤل لدى الكثيرين من ضحايا جميل حسن الذين يعيشون اليوم في ألمانيا، والذين يرون في مذكرة الإيقاف خطوة هامة للتعامل مع الجلادين في نظام الأسد ويحلمون بأن يقف الدكتاتور السوري شخصيا في يوم من الأيام في قفص الاتهام في محكمة جرائم الحرب في لاهاي ويلقى نفس مصير سلوبودان ميلوسوفيتش الرئيس الصربي الأسبق.

مآسي التعذيب

و مازن درويش الصحفي السوري الذي لجأ منذ فترة إلى ألمانيا أحد ضحايا التعذيب في سجون الأسد، ويروي أنه كان جالسا في مكتبه بمدينة دمشق حينما جاءه زوار الفجر في فبراير عام 2012 الذين ينتمون إلى مخابرات سلاح الجو السوري واعتقلوه مع زوجته وأحد مساعديه.

بعد يوم نقلوه معصوب العينين إلى غرفة جلس فيها أربعة ضباط بينهم جميل حسن، رئيس الجهاز الذي بادر إلى سؤاله: ما هي مشكلتك مع الرئيس بشار الأسد؟. وأجاب درويش: ليس لي مشكلة شخصية معه، ولكنه ليس إلها. ثم قال حسن: لماذا توثق الأحداث في سوريا، هل تريد أن تزج بنا في محكمة جرائم الحرب في لاهاي؟

في هذه اللحظة، بات واضحا لدرويش صعوبة الوضع الذي يواجهه وبعد أسبوع على اللقاء مع حسن نقله حراس وهو شبه عاري الجسد إلى باحة السجن وكان الطقس بارد جدا حيث بقي خمسة ساعات وحين خارت قواه سكبوا عليه الماء ثم أمروه بالوقوف إلى أن انهار كليا.

سنوات من العذاب

كانت هذه بداية عذابات درويش التي استمرت ثلاثة أعوام ونصف العام وأحيانا منعوا عنه الطعام وفي أحيان أخرى كانوا يمنعونه من قضاء حاجته في المرحاض علاوة على تعذيبه باللطم واللسعات الكهربائية ومنعه من النوم وتعليقه في سقف الغرفة واعتقدوا مرة أنه قضى تحت التعذيب ورموه بين عدد من الجثث إلى أن صاح بعد الصحو وأعادوه إلى زنزانته.

يقول درويش الذي يعيش اليوم في برلين، أن الجريمة التي ارتكبها هو أنه حاول مع زملاءه توثيق جرائم النظام السوري ضد المتظاهرين لأنهم كانوا يعتقدون أن سوريا يجب أن تصبح دولة قانون يسود فيها احترام حقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية.

ملف يوثق جرائم النظام

وانتهت عذابات درويش عندما تم الإفراج عنه في عام 2015 وتمكن من الفرار إلى ألمانيا مع مئات الآلاف من المواطنين السوريين حيث أصبح من أبرز الشهود على جرائم نظام بشار الأسد ويحاول منذ تلك الفترة إقناع الألمان بضرورة محاسبة رموز النظام على جرائمهم وتعاون مع زملاء له لجئوا إلى بلدان أخرى وحقوقيين غربيين في إعداد ملف يوثق جرائم النظام وقاموا برفع دعاوى يحتاج بدء العمل بها إلى دعم قانوني والأهم سياسي، ذلك أن الكثير من دول الغرب تعتقد أنه ينبغي الحوار مع بشار الأسد لتخفيف أعباء اللاجئين عن كاهلها، لكن الذين يعارضون هذا الموقف، يحذرون من الخطأ الذي ستقع فيه دول الغرب إذا أعادت تأهيل بشار الأسد، مؤكدة عدم حل الأزمة السورية إذا بقي متشبثا بالسلطة. ومثل درويش، فإن المكان الصحيح له ورموز نظامه، هو محكمة جرائم الحرب في لاهاي بهولندا.

روسيا تحمي القاتل

غير أن الخبر السيء لدرويش وغيره من ضحايا التعذيب في سوريا، أن المراقبين يستبعدون أن تستجيب محكمة جرائم الحرب في لاهاي إلى مطالب الذين يدعونها إلى النظر بجرائم النظام السوري وتشكيل محكمة سوريا لهذا الغرض، ففي نهاية المطاف يستحق الضحايا أن يُساق جلاديهم إلى العقاب على الأرض قبل أن يلقوا العقاب الأكبر في السماء. لأن روسيا، التي تحمي بشار الأسد وتمكنت من تفادي انهيار نظامه عندما تدخلت عسكريا بدءا من سبتمبر 2015، تعرقل كل مشروع في مجلس الأمن الدولي يدعو إلى معاقبة بشار الأسد ونظامه.