بقلم / محمد مصطفى عوض : 

(وما النصر الا صبر ساعة).. قالها عنترة قبل ألف عام ونيف، قالها وكأنه يدرك أن ثمة من يكون له منهاج في ذات جزيرة العرب، فحين يكون الخصم أخاك تربطك معهم أواصر الأخوة والانتماء فليس لك بد من الصبر على الأذى بحكمة الحليم وصبر الأنبياء، فالصبر من شيم الرجال، وديدن الأبطال.

عودنا التاريخ أن يحفظ صنفين من البشر، الخونة والأبطال.

وعلمنا التاريخ أن الباطل دائماً يملأ الدنيا ضجيجاً، وكذباً ونفاقاً، يحاول أن يستجلب المنطق الذي يفقد بافتعال الضجيج والصراخ، وإن خابت لعبة الضجيج عمد إلى حياكة المؤامرات وقلب الحقائق في امتهان واضح لوعي الشعوب وإرادتها.

التاريخ أثبت لنا دوماً أن الأبطال والمنتصرين أصحاب الرؤى الثاقبة والعين البصيرة هم دوماً عرضة للابتلاءات والامتحانات التي تأتي من القريب كخنجر في خاصرة الأخوة والانتماء والدم، فالمهزوم لا ابتلاء له ولا امتحان، فليس لديه الرصيد الأخلاقي الكافي ليخوض معارك القيم والمبادئ والأخلاق.

هي لعبة الحق والباطل، وستظل ما شاء لها الله أن تظل، ولكن حسب الصابر المحتسب أن يصمد، فالخير لا يعرف قيمته إلا إذا جاوره الشر، والأبيض يزداد نصاعة إذا حاصره السواد.

قطر تسدّد فاتورة انشغالها بالهم الأكبر ثمن سياستها على شحذ انفعال الأمة بقضايا العزة والكرامة والحرية، وتفجير طاقاتها الإيمانية، وحماستها الروحية، واستعدادها للعمل والكفاح والتضحية عبر الرؤية السليمة المتصلة بالمعتقدات والمقدّسات، وبالمصير في المعاش والمعاد، والمستوعبة للمحيط السياسي والاجتماعي، والمواكبة لأحداثه وصراعاته وتطوّراته. وحازت قيادتها ثقة الشعوب العربية والإسلامية التواقة للحرية والانعتاق من براثن الجهل والقهر والانحطاط، حازتها «في صدقها وأمانتها وطهارتها وقدرتها على القيام بمهامها».

والخطاب الصادق الذي ينفذ إلى القلب، ويحرّك الوجدان بصدقه، ويقنع بعقلانيته، ويخاطب قضايا الواقع ثم بالمبادرة للبذل والاستعداد للتضحية، وتقديم الأسوة الحسنة بالإنجاز الحقيقي المقدّم على العطاء بلا مَنٍ ولا أذى، والبيان بالعمل حتى اقتنعت الشعوب بجدية المسعى واطمأنوا إلى مستقبلهم تحت مسيرتها الرشيدة الآمنة.

المبادئ دون ابتلاء هي مجرد شعارات، والقيم دون امتحان هي مجرد حروف أو أيقونات تزيّن الكتب والمجلدات ووسائل الإعلام، وجدران المصالح الحكومية.

قطر تمتحن اليوم وأحسبها اجتازت الامتحان، ومبادئها تجسدت وبان معدنها، فهي وإن عُزلت وحوصرت، لعلها تشبه كثيراً الذهب في عزلته، وقيادتها أثبتت للعالم أولاً أنها القيادة الشابة اليافعة ولكنها ضاربة في القدم أخلاقاً وصبراً على الأذى، وحلماً على هوس وهوج الشقيق، الذي قابل دم الانتماء بدم الأذى، والذي هان عنده كل شيء، فاستبدل العروبة بالعداء، والإنسانية بالعداء، والعطاء بالإيذاء.

نبارك قطر حصارها، فالتاريخ أتاح لها فرصة أن تسطر اسمها في سجل الخالدين، والسعيد السعيد من كان له من قطر نصيب.