برلين -  الراية  :

أكدت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل في مقابلة مع القناة التلفزيونية الخاصة للحزب المسيحي الديمقراطي الذي تتزعمه CDU Tv، على أهمية التعاون الذي توليه حكومتها، مع تركيا، للتغلب على أزمة اللاجئين، وقالت في هذا الخصوص إن الاتفاقية المُبرمة بين الاتحاد الأوروبي وتركيا في هذا الإطار تلعب دوراً كبيراً، في التحدي الذي تواجهه أوروبا بسبب تدفق اللاجئين إلى أراضيها، وسعيها إلى مكافحة أسباب الفرار، وعصابات تهريب البشر، وكانت تعلق على الجدل الدائر منذ وقت في ألمانيا حول تقرير مثير للجدل، خرجت بعض تفاصيله إلى الرأي العام يتضمن مزاعم واتهامات عشوائية لتركيا، يعتبرها المراقبون بالغة الخطورة وتشكل تهديداً للعلاقات الألمانية التركية.

وفي ضوء هذا التقرير، سيتوجه فرانك فالتر شتاينماير، إلى أنقره، لإطفاء الحريق الجديد الذي يعتقد بعض المراقبين، أنه من عمل بعض الأصابع الخفية في برلين، التي تعمل من أجل نسف العلاقة بين ميركل والرئيس التركي أردوغان.

مرحلة بالغة الحساسية

ويمكن القول إن العلاقات الألمانية التركية تمر في الوقت الراهن في مرحلة بالغة الحساسية، لكن لا يختلف اثنان على أن البلدين بحاجة ماسة إلى بعضهما البعض، في ضوء التحديات والتطورات الحاصلة منذ محاولة الانقلاب الفاشلة، والملاحظ أن وسائل الإعلام الألمانية، استطاعت أن تنشر انطباعات مناهضة لأردوغان، حيث بالكاد يستطيع كاتب ألماني، المجازفة بكتابة كلام إيجابي عن الرئيس التركي.

ولعل ذلك، يفسر حقيقة شعور الكثيرين ليس في ألمانيا وحسب بل في دول غربية كثيرة، بخيبة أمل عندما أفشل الشعب التركي الانقلاب، وقال كلمته مدوية بإعلانه تأييده المطلق لأردوغان، ووقف رجال ونساء وأطفال بمواجهة دبابات وبنادق الانقلابيين.

ومن وجهة نظر أردوغان، فإن فتح الله جولن، المثير للجدل، والذي يكتنف الغموض سر لجوئه إلى الولايات المتحدة الأمريكية بالذات، يقف وراء محاولة الانقلاب، وليس من المستبعد أن يكون وراء الاضطرابات الأخيرة التي تشهدها تركيا، والتي من الواضح أن هدفها، هو زعزعة استقرار تركيا، ونسف علاقاتها مع الأوروبيين.

سبب التوتر

وسبب التوتر الجديد في العلاقات بين برلين وأنقرة، كان تسريب حزب اليسار المعارض في ألمانيا، والذي يُعتبر خليفة الحزب الشيوعي في ألمانيا الشرقية السابقة، والذي يتعاطف مع موسكو ومع نظام بشار الأسد في سوريا، تفاصيل رد من وزارة الداخلية الألمانية على سؤال طرحته الكتلة البرلمانية التابعة لحزب اليسار، حول موقف ألمانيا من تركيا، والذي زعم أن تركيا تُعتبر قاعدة تدعم الجماعات الإسلامية في منطقة الشرق الأوسط، وجاء في معرض الرد، أنه في ضوء الربيع العربي في عام 2011، بدأت تركيا تعمل تدريجياً بسياستها الداخلية والخارجية، في دعم الإسلاميين، الأمر الذي يؤكده تضامن تركيا، حكومة ورئيساً مع الإخوان المسلمين في مصر، بعدما تمكنوا من الإطاحة بنظام حسني مبارك، ومنحهم السلاح للفصائل الإسلامية التي تحارب نظام الأسد، وبالإضافة إلى تسمية الإخوان المسلمين في مصر، كمستفيدين من الدعم التركي، جاء في رد وزارة الداخلية الألمانية، أن تركيا تقدم الدعم لحركة حماس الفلسطينية، ولن ينسى الزعم أنها تهدد بإبادة إسرائيل، والتذكير بهذه المزاعم مهم جداً، حتى تبرر الحكومة الألمانية قرارها بمواصلة مقاطعة حماس والتي سعت إلى ضم اسمها على قائمة المنظمات الإرهابية التابعة للاتحاد الأوروبي.

وهكذا انتشرت في ألمانيا، انطباعات بأن تركيا عبارة عن دولة مارقة، تدعم الإخوان المسلمين في مصر وحماس في فلسطين، وهي مزاعم تتسم بالخطورة وتهدد بنسف العلاقات بين برلين وأنقرة، لولا أن ميركل وشتاينماير، سارعا إلى التصريح عبر متحدثين باسمهما، بأنهما لا يؤيدان موقف وزارة الداخلية الألمانية، ويتمسكان بتعاونهما مع تركيا، وهي خطوة يرى المراقبون أنها محاولة من المستشارة ووزير الخارجية الألماني، لحصر الخسائر.

مزاعم

ويُقال حول خلفية انتشار هذه المزاعم، إن موظفاً في وزارة الداخلية الألمانية التي يتولاها توماس دي ميزيير، تلقى رسالة حزب اليسار التي تتضمن سؤال الحكومة الألمانية عن الموقف حيال تركيا، وقام بإعداد صيغة الرد، معتمداً على تقارير وضعتها الاستخبارات الألمانية، التي حصلت عليها من استخبارات دول صديقة، أي من إسرائيل وربما مصر، وهو ما يبرر تضمن التقرير لمزاعم قيام تركيا بدعم الإخوان المسلمين وحماس، وقيل أن الموظف الألماني، لم يعرض صيغة الرد على وزارة الخارجية الألمانية للقيام بمراجعته، وإنما أرسله إلى وكيل الوزارة الذي أرسله بدوره إلى الكتلة البرلمانية التابعة لحزب اليسار، الذي وجد فيه خطوة مناسبة للخروج على الصحافة ومواصلته حملته المناهضة لأردوغان.

تقرير منافق

وفي أول رد تركي على المزاعم الألمانية، قال عمر جليك، وزير الاتحاد الأوروبي، إن مضمون التقرير الألماني مجرد نفاق، وأكد أن بلاده تحارب حزب العمال الكردستاني المحظور وداعش وجماعات إرهابية أخرى، ونحن نفعل ما يخدم مصالحنا ومصالح حلفائنا، في نفس الوقت، أكد الوزير التركي على رغبة بلاده بالانضمام إلى الاتحاد الأوروبي معتبراً أن ذلك أمر يفيد تركيا والاتحاد الأوروبي على حد سواء.

وذكر الموقع الإلكتروني لمجلة "دير شبيجل"، أن تركيا انتقدت المزاعم الألمانية بشدة، وقالت إنها محاولة دنيئة لقلب الحقائق، وجاء في بيان لوزارة الخارجية التركية، أن هذا يعتبر فصلاً جديداً في محاولات النيل من تركيا ورئيسها، وأشارت إلى وجود أوساط سياسية في ألمانيا، تتحدث بلسانين، تارة تدعو لمكافحة الإرهاب، وتارة تدعم حزب العمال الكردستاني المحظور في تركيا والذي يقوم بأعمال إرهابية في أراضيها.

وكان أردوغان قد صرح مؤخراً، أنه قام بتسليم ميركل قوائم بأسماء أعضاء في الحزب الكردستاني المحظور، الذين يتنقلون بحرية في ألمانيا وأوروبا، وطالبها بتسليمهم إلى تركيا، ويُعتقد أن حوالي أربعة ملايين تركي يعيشون في ألمانيا، بينهم نصف مليون كردي، وعلى الرغم من أن حزب العمال الكردستاني محظور في الاتحاد الأوروبي، إلى أن مؤيديه يرفعون أعلامه وصور زعيمه المعتقل في تركيا عبدالله أوجلان في المظاهرات، لكن السلطات الأمنية في ألمانيا وأوروبا، تحظر رفع أعلام حماس وحزب الله، كما لا يُستبعد أن تكون أسلحة ألمانية قد وقعت بأيدي الحزب الكردستاني، بعدما تم سلمتها ألمانيا إلى أكراد البشمركة في شمال العراق، بحجة محاربة تنظيم داعش.

المزاعم تستهدف ميركل

ويقول بعض المراقبين إن المزاعم التي نسجتها استخبارات ألمانيا وإسرائيل ومصر، لا تستهدف النيل من أردوغان فحسب، وإنما من ميركل أيضاً، فهي تعتمد إلى حد كبير على الرئيس التركي لمنع اللاجئين من التدفق إلى أوروبا.

ولا يبدو أن العناصر التي تعمل في الخفاء، والتي يشك أردوغان بوجود صلة لها مع جماعة فتح الله جولن، ستصمت على مواصلة العمل في نسف العلاقات بين أنقره والاتحاد الأوروبي، فقد نشرت صحيفة "فيلت أم زونتاج" الألمانية تقريراً، زعمته فيه أن الاستخبارات التركية MIT تعمل بنشاط كبير في ألمانيا، التي قالت إن فيها حوالي 800 عميل وستة آلاف مُخبر قاموا بتجنيدهم، ولكن الجانب التركي لم يعلن حتى الآن عن عدد عملاء ومخبري الاستخبارات الألمانية في تركيا، رغم أن ألمانيا، تقول بفخر إنها تملك أكبر شبكة من التجسس في منطقة الشرق الأوسط، وبعد نشر مزاعمها الأخيرة، لا يُستبعد أن تكون قد بدأت تركز على تركيا بعد بزوغ شمس الربيع العربي.