بقلم : سمير عواد (مراسل الراية في برلين) ..
وقعت جميع دول العالم حتى الآن باستثناء الولايات المتحدة الأمريكية على اتفاقية حقوق الطفل التي دخلت حيز التنفيذ في مطلع سبتمبر عام 1990، والتي تنص على أن لكل طفل حقوقاً أساسية تتضمن الحياة.

وهذا بالتحديد ما تحجبه الرياض عن أطفال اليمن من خلال تدخلها العسكري منذ عام 2015 وتقود تحالفاً يركز على استخدام العنف المفرط بحجة محاربة جماعة الحوثي، آخذاً بعين الاعتبار، العوامل المدمرة التي تتراوح بين قتل المدنيين وحرمان الشعب اليمني من تقرير مصيره بنفسه ونشوء أكبر كارثة إنسانية في العالم تهدد ملايين المواطنين اليمنيين بالموت إما نتيجة القصف العشوائي للتحالف أو جوعاً أو بسبب انتشار وباء الكوليرا.

هذه الاتفاقية لا تزال سارية المفعول، وهي مهمة في الوقت الراهن أكثر من أي وقت مضى، وخاصة في اليمن. ففي هذا البلد بالذات الذي كان يوصف باليمن السعيد ثم أفقر بيت عربي، لا تميز طائرات التحالف الذي تقوده الرياض بين الأهداف العسكرية وباصات نقل الأطفال، وتسببت حتى الآن بقتل عدد لا يُحصى منهم، علاوة على التسبب في تشويه أعداد كبيرة منهم أو على الأقل أصبحوا يعانون من كابوس الحرب.

ثمانية ملايين فتاة وشاب على الأقل يعانون من سوء التغذية ويواجهون خطر الموت جوعاً إذا استمرت الحرب، وعددهم يزيد على عدد شعب بلد مثل لبنان أو النمسا. المفروض أن يكون هؤلاء نساء ورجال الغد، يصنعون مستقبل اليمن، غير أن الحرب في بلادهم التي تتم بالوكالة كما يُقال بين قوى خارجية جارة، لم تعد ترأف بالمدنيين من نساء ورجال وأطفال. وتؤكد تقارير إعلامية مستقلة أن أعداداً كبيرة من الأطفال اليمنيين، لم يعد بوسعهم الذهاب إلى المدارس لسببين رئيسيين:

 إما أن طائرات التحالف دمرتها عن بكرة أبيها وارتكبت بذلك جريمة ضد الإنسانية، أو خشية الإصابة بعدوى وباء الكوليرا الذي ينتشر بسرعة كبيرة في اليمن. يتم الاستنتاج من ذلك، أن الأطفال هم أولى ضحايا حرب اليمن، واستمرارها يحرمهم من حق البقاء أو يهددهم بالقتل والتعرض للتشويه والإصابة بأسوأ الأوبئة، فليس هناك مستقبل لليمن وجيرانه بالذات سوف يشعرون بعواقب تحوله إلى أفغانستان على أعتاب بيوتهم. وإذا ينطبق تعبير «الجيل الضائع» على جيل معين، فإنه ينطبق بوضوح على أطفال اليمن في أغسطس 2018.

السكوت على الجريمة.. جريمة. لذلك لا أريد أن أكون شريكاً في الجرائم التي تقودها السعودية ضد أطفال اليمن. الأمم المتحدة التي تسببت في مأساة فلسطين وسهلت حربي العراق وأفغانستان واجهت الفشل أيضاً في اليمن. وهي تتذرع بأنها عبارة عن حرب بالوكالة بين السعودية وإيران، وترفع يديها بذلك وكأنها ليست معنية، لكنها تتجاهل حقيقة كون اليمن بلداً عضواً فيها يستحق الاهتمام وأن يعيش شعبه بسلام.

فالتحالف الذي تقوده السعودية يخرق كافة المعاهدات والمواثيق الدولية وأن جرائمه في اليمن أصبحت تستحق التحقيق والمساءلة والمحاسبة أمام محكمة جرائم الجزاء الدولية في لاهاي، كما ينبغي محاسبة الأطراف الأخرى وكل من تسبب بوقوع هذه الجرائم، ومن بينها حكومات الدول التي تزود أطراف الحرب بالسلاح ومنها الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وألمانيا وإيران وغيرها.

السكوت على حرب اليمن في الغرب بالذات، له عدة أسباب، حرب اليمن لا انعكاسات لها على الغرب، فهي لم تؤد إلى موجة لجوء إلى أوروبا، كما أن البلد فقير ليس فيه ثروات طبيعية، ولا يوجد صحفيون مستقلون ينقلون إلى بيوتنا الصور المروعة للحرب، ولا تُعقد الندوات والمؤتمرات لبحث طرق إنهاء الحرب ووضع خريطة طريق لتحقيق السلام في اليمن. وليس خبر قيام طائرات التحالف بقصف باص كان يقل أطفالاً، سوى صدمة مؤقتة للرأي العام العالمي طالما حرب اليمن ليست مطروحة للبحث في المحافل الدولية لأنها بنظر قصيري النظر مجدر تصفية نزاع بين الرياض وطهران. إنه موقف مشين ومؤلم وغير سليم.

فالغارات الجوية التي تشنها طائرات التحالف تدمر بلداً بأكمله وجيلاً بكامله. إنهم يقتلون آلاف المدنيين، ويدمرون البنية التحتية، ويقتلون الأطفال وبذلك يسرقون مستقبل اليمن. لكنهم أيضاً يعبدون الطريق لقيام دولة منهارة، تستغلها جماعات أصولية متطرفة، تنشر الفوضى في المنطقة بأسرها. لقد كان الشعب اليمني يأمل بأوضاع أفضل عندما وصلت رياح الربيع العربي إلى اليمن في عام 2011 وقام بالإطاحة بنظام علي عبدالله صالح.

عار على المجتمع الدولي مواصلة السكوت على جرائم السعوديين والإماراتيين في اليمن، ويؤكد سلوك الرياض تجاه كندا وألمانيا وقبلهما السويد، ضرورة ممارسة الضغط السياسي على الرياض وعدم خشية التعرض لعقوبات اقتصادية منها، إذ يجب أن تكون قيم حقوق الإنسان أهم من المصالح الاقتصادية.

والواضح أن السعوديين لا يفهمون سوى لغة التهديد، وهنا ينبغي العمل بما يفرض حق الشعوب، وتحديداً حق الطفل اليمني، في إقامة محكمة للتحقيق في جرائم الحرب في اليمن، ووقف تصدير السلاح إلى السعودية والإمارات حتى تتوقف الحرب، وأن تعلن واشنطن بوضوح أنها لا تؤيد الغارات التي يقوم بها التحالف في اليمن، وأخيراً وليس آخراً، تفادي أطراف الحرب، التعرض للمدنيين ولاسيما الأطفال للأذى حتى تبقى هناك فرصة لبناء مستقبل لهذا البلد.