بقلم - د. خالد التيجاني النور:

على نحو مفاجئ أعلن الرئيس السوداني عمر البشير ليلة الأحد حل حكومته، في خطوة غير متوقعة فاجأت دوائر حزب المؤتمر الوطني الحاكم في السودان نفسه، والأحزاب المشاركة في «حكومة الوفاق الوطني»، وسمّى رئيساً جديداً للوزراء، وتقليص ثلث مقاعد الحكومة، وتعهد بإعادة مراجعة هياكل السلطة المركزية والولائية، وتقليص الإنفاق الحكومي، وتبني برنامج لإعادة التوازن الاقتصادي في البلاد لتحقيق «تحول جوهري في المسارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية».

خطوة الرئيس البشير التي وصفها بأنها ضرورية لمعالجة الأوضاع الاقتصادية المأزومة في البلاد جاءت استجابة متأخرة لسلسلة من الأزمات المتلاحقة ضربت السودان منذ أواخر العام الماضي والتي بدأت بتراجع كبير في قيمة العملة الوطنية، وانفراط متزايد في نسب التضخم، وانفلات في الأسعار وشح في المحروقات، وندرة في الخبز، مع تزايد الضغوط الاجتماعية جراء تدهور الأوضاع الاقتصادية، وسط عجز حكومة «الوفاق الوطني» التي تم تشكيلها في مايو من العام الماضي برئاسة النائب الأول للرئيس الفريق بكري حسن صالح، بمشاركة عشرات الأحزاب، في إدارة الملف الاقتصادي.

اضطر الرئيس البشير إلى الخروج من صمته إزاء تفاقم هذه الأزمات في خطابه للمواطنين في عيد الأضحى ليطرح للمرة الأولى عزمه على اتخاذ سلسلة سياسات وإجراءات لمخاطبة الواقع المأزوم، في ظل غياب رسمي قادر على مخاطبة هذه الهموم، وفي ظل انشغال الحزب الحاكم بمسائل انصرافية حتى بلغ به الحال أن خطاب الرئيس نفسه على أهمية الأجندة التي طرحها راح ضحية لهذه الغيبوبة السياسية والعزلة عن المجتمع، وقد جاء تحرك البشير بعد أسابيع من حسم جدل داخل المؤتمر الوطني لصالح إعادة ترشيحه في انتخابات 2020 على الرغم من انقضاء المدتين المسموح بهما دستورياً

خطاب الرئيس البشير، الذي لم تتوقع دوائر الحكومة أن يؤدي إلى حلها بهذه السرعة، تضمن خريطة طريق من ثمانية بنود تشتمل على حزمة من أجندة السياسات والإجراءات هدفها «استغلال كل الموارد المتاحة لإحداث تنمية اقتصادية من أجل تحسين معاش الناس، وذلك وفق أهداف تنموية تركيزية لا حياد عنها لذلك سوف يتجه جهدنا في الفترة القليلة القادمة نحو تحقيقها».

مجمل الأجندة التي طرحها البشير تحمل رؤوس مواضيع مهمة وضرورية، ومع إمكانية أن تسهم في معالجات جزئية للأوضاع الراهنة، لكنها ليست كافية، فالمطلوب لكسر حالة الجمود الراهنة والخروج من المأزق الراهن يتطلب خريطة طريق أكثر جرأة من هذه بكثير، ولكنها مع ذلك تشكل على الأقل قاعدة حوار حول المطلوب فعلاً لتدارك الحالة الوطنية الراهنة.

ولكن السؤال هل تتسق خطة العمل الرئاسية هذه مع الدعوة إلى «أن البلاد في حاجة للتطلع إلى إحداث تحولات جوهرية في المسارات السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية»، وهل تكفي هذه النقاط المطروحة للوصول إلى هذه «التحولات الجوهرية» المرجوة في المجالات كافة؟.

تبدأ المشكلة من أن التعامل مع الأوضاع الراهنة بكل التحديات التي أقر بها الخطاب تأتي من داخل الصندوق، بمعنى النظر إليها وكأنها مجرد حوادث جانبية عارضة، وليس بحسبانها نتاجاً موضوعياً لاختلالات هيكلية في إدارة نظام الدولة السودانية الذي أسسته «الحقبة الإنقاذية» بغرض «التمكين» لفئة أو طبقة حاكمة، وليس لابتدار مشروع وطني جامع وشامل كانت البلاد في أمسّ الحاجة له.

وتقود مشكلة النظر في المأزق الراهن من داخل الصندوق الإنقاذي، بكل تمثّلاته وقواعد اللعبة التي أرساها على مدار ثلاثة عقود، إلى التناقض بين رفع شعار كبير يدرك مدى الحاجة إلى «إحداث تحوّلات جوهرية في المسارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية» كما ذهب الخطاب في التأكيد على ذلك صراحة، وبين طرح خريطة طريق أقصر قامة وأقل بكثير مما هو مطلوب لمقابلة استحقاقات الشعار المطروح، تبدو مجتهدة في المحافظة على المعادلة الراهنة إلى أقصى مدى ممكن، ربما مع إضافة بعض التحسينات الطفيفة التي لن تقود في المحصلة إلى تحقيق تحوّلات حقيقية ليست مرجوة بشدة فحسب من باب النوافل، بل تشكّل شرطاً لازم الوجوب لوضع البلاد على طريق استعادة الأمل.

جاءت مبادرة الحوار الوطني، التي كان من شأنها أن تستدرك المصالح الوطنية الكبرى التي أضاعها تفويت فرصة اتفاقية السلام الشامل لإعادة تأسيس الدولة السودانية على قواعد جديدة من التراضي الوطني يحقق التحوّلات الجوهرية اللازمة والضرورية في بنية السلطة وهياكل الحكم، ولكنها انتهت إلى المصير نفسه، ففضلاً عن ارتهانها لمناورات وتكتيكات محدودة الأفق خفّضت من سقف آفاقها لأن الهدف المعلن كان خلاف المقصد الحقيقي المبطن، الاحتفاظ بالكيكة وأكلها في الوقت نفسه، والاكتفاء بالإرداف في سياق معادلة السلطة الراهنة، وليس تأسيس شراكة وطنية حقيقية.

ومع كل الجدل الذي رافقها والوثائق التي صدرت عنها، انتهى بها الأمر لتكشف حقيقة أزمة النخبة السلطوية السودانية، ذلك أن الزعم العريض الذي يدعيه الجميع بأن غرض الحوار الوطني هو الاتفاق على كيف يحكم السودان، تبخّر من أول يوم حين جرى مكافأة المنخرطين فيه بتفصيل مناصب لتحقيق امتيازات ومكاسب على جسد الدولة السودانية المنهك والمثقل بالترضيات لأطراف سياسية بلا جذور حقيقية في المجتمع جرى اختلاقها وتصنيعها في معامل الحزب الحاكم لتعطي إيحاءً زائفاً بمشروعية قائمة على وهم «توسيع ماعون شراكة» قائم على شركاء مختلقين، لتغطية الإحساس الدفين بشرعية تفتقر للجذور الاجتماعية الحقيقية.

يقود هذا التشخيص إلى أن تراكم الأزمات الراهنة في ظل العجز الذاتي الواضح عن احتوائها ما هو إلا نتاج «الإرهاق غير الخلّاق» والرهان الخاسر بأنه من الممكن تفويت كل الفرص التي سنحت لتحقيق شراكة وطنية تعيد تأسيس الدولة السودانية دون أن يكون لذلك تأثير، لصالح محافظة الطبقة الحاكمة على سلطتها بأي ثمن، بزعم أن بوسعها الإمساك بخيوط اللعبة، صحيح أن ذلك ممكن في بعض الأوقات ولكن من المؤكد أن استدامته مستحيلة.

ولذلك فإن الشرط الأساس لأي خريطة طريق للخروج من المأزق الراهن غير ممكن التحقق بغير مراجعة الأطر التي تحقق سلامة الإطار السياسي نفسه، الذي يشكل العمود الفقري في هذه المعادلة، ويؤكد أن الطريق الوحيد لتحقيق «تحوّلات جوهرية في المسارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية»، غير ممكن التحقيق بدون إعادة هيكلة النظام السياسي نفسه، وإلا فالنتيجة الحتمية هي تجريب المجرب وإعادة إنتاج المأزق على نحو أكثر تعقيداً وأكثر خطراً على مستقبل الدولة السودانية.

 

كاتب وصحفي سوداني

khalidtigani@gmail.com