بقلم :جهاد فاضل (كاتب لبناني) ..
إذا لفظ أحدهم عبارة «النكبة» دون أن يحدّد أية نكبة يقصد، انصرف ذهن السامع على الفور إلى النكبة الفلسطينية عام 1948، أي إلى ضياع فلسطين، وهو ما اعتبره العرب أعظم نكبة في تاريخهم الحديث، ولكن تاريخ العرب الحديث يضمّ نكبات قومية أخرى لا تقلّ هولاً ومأساوية عن نكبة 1948 لعل أعظمها هو استيلاء الجيوش العربية على السلطة في بلدانها عبر انقلابات عسكرية تواصلت وتناسلت فيما بعد وكانت بدأت بانقلاب حسني الزعيم في سوريا عام 1949 الذي تبعته انقلابات سورية أخرى ثم انقلابات عراقية وصولاً إلى انقلاب يوليو في مصر عام 1952 الذي سُميّ فيما بعد ثورة، دون أن ننسى انقلابات اليمن والسودان وليبيا والجزائر... كانت الأسباب الموجبة لهذه الانقلابات تتراوح بين الثأر لفلسطين واستردادها من اليهود، وانتزاع السلطة من الحكام الرجعيين المتواطئين مع الاستعمار، وذلك لصالح بناء دول عصرية ناهضة تمهّد لدولة عربية واحدة أو لدولة الوحدة التي تنعم بالحرية والعدالة الاجتماعية، ولكن مرّ ما يقرب من 75 عاما على هذه الانقلابات، وهو تقريبا عمر دولة إسرائيل، دون أن يعود العسكر إلى ثكناتهم، ودون أن يتحقق ولو أمر واحد مما وعدت به البيانات رقم 1 وأخواتها، بل الذي تحقق هو وأد الحياة السياسية العربية ومعها الديموقراطية التي كانت في طريقها إلى النمو، وتحويل البلدان التي حكم فيها الانقلابيون إلى سجون كبيرة، وكانت النتيجة إصابة أحلام العرب القومية والوطنية بمقتل. وذروة كل ذلك هو ما يُسمّى في تاريخنا الحديث بهزيمة 1967 وهي بنظرنا أعظم من نكبة 1948 لأنها أجهزت نهائياً على فلسطين التاريخية لصالح الدولة العبرية، كما أجهزت نهائياً على بلدان كان المواطن العربي يظن أنها سيفه وترسه في الملمات وعدته الكبرى لتحرير فلسطين وتوحيد العرب، وهي مصر وسوريا والعراق، أعيقت هذه البلدان نهائيا منذ هزيمة أو نكبة 1967 ولم تقم لها قائمة حتى الوقت الراهن، فلا مصر مصر ولا سوريا سوريا ولا العراق العراق، بل دول متخلفة شديدة التخلف، عاجزة كل العجز هيهات أن تتمكن من استعادة ما كانت عليه زمن الأنظمة السابقة على هذه الانقلابات، أي زمن الملكية في مصر والعراق وزمن الأتاسي والقوتلي والكيخيا والحوراني في سوريا.
ففي تلك الأزمنة البائدة، كانت الديموقراطية والسياسة والحريات بخير، وكانت هناك ثقافة وفكر وانفتاح على مرابض الحضارة في العالم، ولم يكن هناك حجر على اللغات الأجنبية ولا على التقدم والتطور، كانت القاهرة بتقدمها وأحزابها وجامعاتها وحيوية الحركة في شوارعها مثل روما أو باريس، وكانت الإسكندرية مثل أثينا أو نابولي.

وكانت دمشق مدينة واعدة مثل بيروت، وكانت حلب مثل فلورنسا أو مارسيليا من حيث الكنوز الحضارية والثقافية والتنوع والغني على كل صعيد فيها.

وكانت بغداد وعد العرب في قيادة المنطقة نحو النهضة، وباختصار، كان العرب قبل هذه الانقلابات العسكرية البائسة، قوة متجهة نحو المستقبل، مثل الهند والصين والبرازيل، فإذا بهذه الانقلابات تشّد هذه البلدان إلى الوراء وتحرمها من نعمة التطور والتأثير في منطقتها وفي العالم، ولو أراد أحدنا الآن أن يذكر البلدان المؤثرة في المنطقة لما كان بينها دولة عربية واحدة، ولكانت إسرائيل التي كنا نسمّيها «إسرائيل المزعومة» إحدى الحقائق لا في المنطقة وحدها بل في العالم أيضاً.

نكبة 1948 أضاعت فلسطين ونكبة العرب بالانقلابات العسكرية أضاعت العرب جميعا لا في الحاضر وحده بل في المستقبل أيضاً، فأي مستقبل عربي وسوريا حطام وركام وممنوعة منعا باتا من أن تنجز ثورة أو تحقق نهضة، وأي مستقبل لمصر منذ سنوات بعيدة تغرق في التخلف وتغيب عن الفعل والتأثير وقد كانت مرادفة لهما في الماضي، وأي عراق ولا أفق فيه إلا أفق المذهبية والطائفية والميليشيات وما إلى ذلك من أدوات القرون الوسطى، وأي عرب وعروبة ونهضة ووحدة وهذه البلدان الثلاثة، وهي عُمُد العرب، في قيود يستحيل أن تخرج منها في المدى المنظور؟.

في السبعينيات من القرن الماضي كنا مجموعة من المثقفين نجلس في مطعم فيصل تجاه الجامعة الأمريكية في بيروت فجأة ينضمّ إلينا صديق وبصحبته صحفي إنجليزي كان يقوم بجولة في المنطقة، سألنا هذا الصحفي عن ملاحظاته التي خرج بها، فكان ما قاله وما يزال يرنّ في سمعي إلى اليوم أنه قبل أن يزور بلادنا السعيدة كان يعرف أن البلدان تملك عادة جيوشاً، ولكنه وجد في جولته هذه أن الجيوش تملك بلداناً.

والمؤسف أن هذه الملكية مستمرة منذ 75 عاماً، ومعها تستمر النكبات والهزائم والكوارث.