اقتلع زوجها عينيها وقضم أنفها وأصابها بخديها وذراعها

ترجمة- كريم المالكي:

رومانا منزور أستاذة مساعدة في العلاقات الدولية في جامعة دكا، أصبحت اسماً معروفاً في بلدها بنجلاديش وكذلك في كندا، بلد المهجر الذي فتح ذراعيه لها. منزور ضحية عنف منزلي دموي لأن زوجها الوحش حاول قتلها في يوليو 2011. وحدث ذلك بعد عودتها من رحلة الدراسات العليا في كندا. ويبدو أن الأمر ازداد سوءاً بين الزوجين حينما عادت هي إلى دكا، عاصمة بنجلاديش. في بداية الأمر، عندما أخبرت زوجها بأنها ترغب في الطلاق منه، كانت ردة فعله هي الصمت، ولكن بعد ساعات قليلة، اقتحم عليها الغرفة التي كانت تعمل فيها على أطروحتها، وأغلق الباب وألقى بها على السرير، ثم غرز أصابعه في عينيها، واقتلعهما بيديه وسبب لها العمى الدائم. كما أنه قضم قليلاً من أنفها، ومزق لحم خديها وذراعها اليمنى. لقد حدث ذلك في منزل والديها الذي عاشت فيه هي وزوجها لمدة ست سنوات، حتى بعد ولادتها لابنتها الوحيدة.

زاتقول رومانا أخبَرَني زوجي بأنه لن يسمح لي بالدراسة أو أن أكون شخصاً آخر، أخبرها بذلك فيما كانت ابنتهما المرعوبة «5 سنوات»، تحاول سحب والدها حيث كان يجثو على صدر والدتها.

من العذاب إلى الحياة

وتضيف رومانا: قال لي بصوت فيه حشرجة، أردت قتلك بحمض الأسيد، ولكن لحسن حظك، لم أجده. وفي الأيام والأسابيع التالية خضعت منزور لعدة عمليات جراحية وحملة تشويه من زوجها وأسرته، حيث حاولوا تصويرها كمعتدية في الهجوم. لذلك رفضت الصمت، وطالبت بالعدالة من سرير المستشفى. وأدى الاعتداء الوحشي وتحديها الصريح لإيذاء الإناث إلى ظهور عناوين رئيسية في وسائل إعلام بنجلاديش وكندا، مما شكل دعماً شعبياً دفع الحكومة الكندية للسماح لمنزور بالهجرة مع ابنتها ووالديها عام 2011.

وفي فانكوفر وجدت مرة ثانية اهتماماً من وسائل الإعلام، وحصلت على درجة الماجستير من جامعة كولومبيا البريطانية عام 2013 لتتخرج في كلية الحقوق. وقالت إنها تدرس اليوم، لامتحان اختبار القبول بنقابة المحامين أثناء عملها في شركة محاماة بارزة في كندا. إن قصة منزور تؤكد حجم الأخطار الكبيرة التي تواجهها النساء في العالم الثالث اللواتي يجرؤن على تحدي سلطة الرجل.

تسلط وعنف

تتذكر منزور (39 عاماً)، التي كانت تجلس في قاعة اجتماعات في مكتب المحاماة وسط مدينة فانكوفر، وأخفت عدسات لاصقة ذهبية عينيها اللتين لا تبصر بهما، تتذكر كيف دفعها شغفها بالتعليم للفرار من زوجها العنيف وإعادة بناء حياتها في كندا.

نشأت منزور في عائلة مسلمة معتدلة، وهي ابنة ضابط متقاعد لديه 5 شقيقات، وجميعهن متعلمات تعليماً عالياً. وتقول منزور: علمتني عائلتي أن أكون طموحة، ولم يكن الزواج هو ما أفكر به كثيراً. لكنها وافقت على الزواج منه حينما كانت تدرس العلاقات الدولية في جامعة دكا، لكونه ابن صديق والدها.

وبدأ الزوج بإساءة معاملتها في ليلة زفافها عام 2000، وقالت إنه صفعها بمجرد انتقالها إلى منزل والديه، وجريمتها أنها سألته لماذا تأخر هو وأسرته في الوصول للحفل. وفيما بعد، قالت بأنها كان ينبغي أن تتركه على الفور، ولكن كعروس شابة وبسبب الثقافة المحافظة اتهمت نفسها بالتقصير، واختارت تحمل ضربه بدلاً من مواجهة عار الطلاق.

المعاناة بصمت

عندما حصلت منزور على أول ماجستير في دكا وأصبحت أستاذاً مساعداً، كانت تعاني بصمت حينما يضربها ويركلها زوجها، أو يدفعها بقوة على الأثاث أو حين يسحبها على الأرض من شعرها. وكان والداه يتجاهلان سوء المعاملة أو يخبراها بأن تكون زوجة صالحة وتغفر له، وتقول بأنها شعرت وكأنها في سجن. وأحياناً يكون «طبيعياً»، وخلال إحدى تلك الفترات القصيرة، حملت بابنتهما، وبعد ولادتها، ذهبت للبقاء مع والديها، ومنذ ذلك الحين لم تعش مع زوجها ثانية، لكنها ظلت متزوجة قانوناً لتجنب غضبه وكلام الناس. وتقول منزور: لم أكن أعرف ما إذا سأتمكن من مواجهة المجتمع أو أي نوع من العار الذي ستواجهه ابنتي بسببي، واعتقدت أيضاً أن الطلاق عار بالنسبة لي، والآن عرفت أن هؤلاء الناس الذين يلحقون الضرر بالآخرين هم من يجب أن يخجلوا من عارهم.

الحرية والدراسة

ولكونها حريصة على مغادرة معاناتها، التحقت عام 2010، لدراسة ماجستير علوم سياسية في جامعة كولومبيا البريطانية. وأعطتها الحياة في فانكوفر الكندية شعوراً جديداً بالحرية، والتصميم على الطلاق. وتقول: كنت فقط أحب ألا أكون معه، وأن أركز على دراستي.

لكن الزوج استمر بترويعها عبر مكالماته الهاتفية، في أحيان كثيرة في منتصف الليل، واتهمها بالخيانة وهددها بخطف ابنته. وأبلغته بأن زواجهما انتهى أثناء زيارته للمنزل في يونيو 2011، حينما فر بعد هجومه الدموي الذي تركها فيه عمياء، حيث تعرضت لنزيف داخلي كبير بعينيها، وكان بقاؤها حية أشبه بالمعجزة .

عقاب إلهي

وأبلغ أهلها الشرطة بالهجوم، لكنهم كانوا قلقين بشأن سمعتها فيما لو انتشر خبر الاعتداء، إلا أن الأقارب والزملاء الغاضبين شجعوها على الكلام عبر وسائل التواصل الاجتماعي. وتحدثت منزور، التي كانت عيناها مغلقتين وأنفها مجدوع، عن الهجوم في مقابلة تلفزيونية من سرير المستشفى.

وأقام المؤيدون مسيرات تطالب بالعدالة، بيد أن الحملة أثارت أيضاً سيلاً من التهديدات والشتائم. وعندما تم القبض على زوجها، اتهمها بإقامة علاقة في كندا ومحاولة قتله بالحبوب المنومة، في حين ادعى والداه أنها تتظاهر بأنها عمياء.

وبعد وفاته بنوبة قلبية في السجن أثناء انتظاره محاكمته، قال أهله للصحفيين إن منزور تآمرت لقتله، في حين كان قد تم توطين منزور في فانكوفر، وكانت تكافح لصنع حياتها رغم إعاقتها.

نجاح دراسي رغم العمى

وتقول منزور: كانت الجامعة مكان راحتي، حيث يساعدني زملائي هناك بإجراء البحوث ونسخ أطروحتي الماجستير التي اجتزتها بنجاح. ومن ثم أعلنت أنها ترغب بإجراء امتحان القبول بكلية القانون. وتضيف: اعتقد الجميع أنه أمر مثير للسخرية، ولأنني عنيدة فإن أفضل طريقة لدفعي للعمل هو القول لي إنك لا تستطيعين أن تفعلي ذلك.

وبعد عام من فقدانها بصرها، اجتازت امتحان كلية القانون باستخدام الحروف والأرقام المغناطيسية، للرد على الأسئلة ورسم المخططات. وبعد السنة الأولى من كلية الحقوق، كان لديها تدريب صيفي مع شركة محاماة كبيرة، مما أدى إلى حصولها على وظيفة بدوام كامل. وقد تمت مساعدة منزور من خلال البرمجيات التي تترجم النص إلى كلام، مما يتيح لها أن تقوم بنفس البحوث القانونية والتعامل مع أي قضية تعالج من أي محام جديد.

نجاحها في العمل

وتقول مديرة التطوير المهني في الشركة: رومانا لا تفعل شيئاً مختلفاً، لكنها تفعل ذلك بشكل مختلف، إنها تجعل الأمر يبدو سهلاً ولكني أعلم أنه ليس كذلك.

ومع ذلك، يصنع عدم إبصارها عقبات، فهي لا تستطيع أن تشهد على وصية شخص أو تفحص صوراً أو توقع على الوثائق، لذلك في هذه الحالات، تجلب الشركة محامين آخرين ليكونوا عينيها.

وتضيف السيدة روهل: كان منحنى التعلم حاداً بالنسبة لنا أيضاً، مشيرة إلى الطريقة التي أخبرت بها المحامين الآخرين، لا تخجلون من تقديم أي عمل لها. وبالتالي فإن المناوشات الأولية اختفت كلما أثبتت منزور نفسها. ويمكن القول إنها على درجة من النضج لا يملكها طلاب القانون الآخرون.

التحدي مثابرة

إن مثابرة منزور هي السبب الجذري في نجاحها، بحيث أن ابنتها التي تعيش معها تنسى أنها عمياء لأنها ترى والدتها تفعل كل شيء يفعله الجميع، ولم تدفعها الصدمة التي عاشتها في بنجلاديش إلا لتحدي التوقعات لما يمكن لمرأة عمياء أن تقوم به. وتقول متذكرة: في المستشفى، كان الجميع يقولون عني، يا لها من مسكينة، وشعرت بأنها نهاية حياتي، بطبيعة الحال، ولكوني كنت أعرف نفسي جيداً، كنت أكره هذا الموقف.

لذلك بدلاً من الحزن، ركزت على العيش، وتختم حديثها: أريد أن يرى الناس حقيقتي بوجه مبتسم وليس امرأة فقدت بصرها وفقدت نفسها تماماً، كل شخص لديه تحديات، وتلك التحديات تخصني، إن الحياة حفل، وما زلت أعتقد ذلك، بأنه عليك فقط أن تحقق الإفادة الأفضل منها.

عن صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية