• صدام لم يرد على مداخلتي بضرورة الانسحاب من الكويت لتجنب الحرب
    كول كلف مستشاره بالتفاوض مع العراقيين وكان يتم إبلاغ الأمريكيين
  • واشنطن تفاوضت سراً مع بغداد عبر هاتف في منزلي
  • في ديسمبر 1990 كان كول والسفير العراقي واثقين من التوصل إلى تسوية
  • صدام لم يقتنع بالانسحاب كشرط أساسي للتسوية ما كلفه خسارة كل شيء
  • كنت أترأس شركة للبناء وأقمت علاقات جيدة مع قادة العراق

برلين - الراية: وصف صدام حسين الرهائن الأجانب الذين تم اعتقالهم بعد اجتياح القوات العراقية أراضي دولة الكويت في مطلع أغسطس عام 1990، بأنهم ضيوف كرام، وملائكة السلام، لكنه لم يسمح لأحدهم بمغادرة البلاد، أما وسائل الإعلام الغربية فقد وصفتهم بالدروع البشرية واتهمت الرئيس العراقي وقتذاك، بالاحتماء بهم لمنع الائتلاف الدولي الذي كانت تقوده أمريكا من شن غارات على مواقع حساسة داخل العراق.

وبحسب تقرير صحيفة ألمانية فإن تكتيك صدام في ذلك الوقت، كان الاستعانة بالرهائن الأجانب، للدخول في مفاوضات مع الأوروبيين لأنه لم يكن يثق بواشنطن ، بعدما أدان العالم دون استثناء احتلال العراق أراضي الكويت، ووفقا للصحيفة فإن صدام كان يحاول تجنب وقوع حرب في المنطقة.

وخلافاً لعلاقات العراق المضطربة مع واشنطن ولندن وباريس، كانت علاقاته طبيعية مع بون، التي كانت مضطرة للسير في ركاب السياسة الأمريكية تجاه العراق، على الرغم من كونها أولى الدول التي سارعت إلى دعوة بغداد إلى سحب الجيش العراقي من أراضي الكويت، وارتباطها بعلاقات وثيقة خاصة في المجال الاقتصادي مع دولة الكويت، التي كانت وما زالت إلى اليوم، أكبر مساهم أجنبي في شركة تصنيع السيارات الألمانية "دايملر بنز"، وظلت سفارة العراق في بون مفتوحة بعد قيام غالبية الدول الأوروبية بإغلاق سفارات العراق في عواصمها وإبعاد الدبلوماسيين فيها إلى بلدهم.

وبعد شهرين على الاجتياح العراقي لأراضي الكويت، احتفل الألمان في 3 أكتوبر باستعادة وحدة بلدهم بعد انقسام دام أربعة عقود، وهي المناسبة التي جعلت حسين كامل، صهر الرئيس العراقي، والذي كان يشغل منصب وزير الصناعة، يبرق إلى رجل الأعمال الألماني بيتر يونجن، رئيس مجلس إدارة شركة البناء الألمانية "شتراباج" خلال الفترة من 1986 - 1991، مهنئا بوحدة ألمانيا، وكانت تربطهما معرفة منذ عام 1980، حيث نفذت الشركة الألمانية مشروع شق أوتوستراد يربط بين العراق والأردن وشيدت مطار البصرة.

 وفي معرض رده على برقية المسؤول العراقي حيث كان واضحا أن يونجن أطلع محتواها على مسؤولين في الحكومة الألمانية ساعدوه في كتابة الرد الذي جاء فيه بعد الشكر على التهنئة، أنه من المؤسف أن ليس جميع الألمان حصلوا على فرصة للاحتفال باستعادة ألمانيا وحدة شقيها، مشيرا بذلك إلى وجود ألمان ضد إرادتهم في بغداد، وطلب من المسؤول العراقي التدخل لتمكينهم من العودة إلى ألمانيا وعرض استعداده للسفر إلى بغداد، خاصة أن العديد من الرهائن الأجانب والذي كان عددهم 237، كانوا ينفذون مشاريع شركة "شتراباج" الألمانية في العراق.

وفي صباح اليوم التالي اتصل به هاتفيا سفير العراق لدى بون، عبد الجبار عمر غاني الدوري، الذي كان قبل تعيينه سفيرا لبلاده في ألمانيا، عميد السلك الدبلوماسي الأجنبي مدة ثمانية أعوام في الكويت، وأبلغه أن القيادة العراقية على استعداد لاستقباله، للحديث حول الرهائن.

واستجابت بغداد لرغبة يونجن، وتعبيرا عن حسن نواياها، أفرجت عن أربع سكرتيرات، عدن على أول طائرة إلى ألمانيا وبعد وصولهن طار يونجن إلى بغداد وكان حسين كامل في استقباله في المطار وبعد أيام أوصله بنفسه إلى المطار، ربما ليشعره بأنه مهتم شخصيا بنشاطات الشركة الألمانية في العراق وأنه لا خوف على موظفيها ولن يتم استخدام أي منهم كدرع بشري. وفي 26 أكتوبر تم السماح بسفر الدفعة الأولى من موظفي الشركة وتبعهم الدفعة الثانية بعد عشرة أيام.

وفي 5 نوفمبر سافر فيلي برانت، المستشار الألماني الأسبق إلى بغداد، بوصفه رئيسا لمنظمة الاشتراكية الدولية، وكان قد سبقه بزيارتها، هانز يورجن فيشنيفسكي، الذي كان ملقبا باسم "بن فيش" نسبة إلى علاقاته الوثيقة مع مسؤولين عرب، وشغل منصب وزير الدولة في عهد المستشار الأسبق هيلموت شميت، وعاد برانت بعد خمسة أيام ومعه 126 رهينة ألمانية و51 رهينة أجنبية، ولكن صدام لم يطلب خلال لقائه مع برانت توسط ألمانيا لتجنب وقوع حرب في المنطقة. وكان العراق يشعر أنه لن يتعرض إلى هجوم طالما يحتفظ بالرهائن لكنه كان يعرف أنه سيضطر للإفراج عنهم عاجلا أم آجلا.
لذلك استجاب يونجن لدعوة من حسين كامل لزيارة بغداد، حيث أكد له أنه سيتم الإفراج عن الرهائن الأوروبيين المتبقين قبل نهاية نوفمبر والآسيويين في ديسمبر.

وفي 25 نوفمبر كان يونجن في مطار بغداد ينتظر طائرة العودة إلى ألمانيا حين سأله نائب وزير الصناعة إذا هو مستعد لمقابلة هامة وكانت هذه المرة مع صدام حسين. واستغرق اللقاء بينهما أكثر من ثلاث ساعات، حيث كان موضوع الرهائن هامشياً حيث قال صدام لرجل الأعمال الألماني إن احتجاز الرهائن كان رداً على تهديد الحكومات الأوروبية بالانضمام إلى حرب ضد العراق. وفي نهاية المقابلة، وعلى حد قول يونجن، الذي قرر الخروج عن صمته على هذه القصة، قال إنه قرر الإفراج عن أربعة مهندسين بريطانيين وقال: هذا معروف لك وليس للسيدة تاتشر "رئيسة وزراء بريطانيا آنذاك"، وأوضح يونجن أنهم كانوا أول مجموعة من الرهائن البريطانيين الذين سمح صدام بإطلاق سراحهم.

وحسب أقوال يونجن، كان صدام يريد الوصول إلى مسؤول أوروبي يستطيع التوسط في النزاع وقبل كل شيء إقناع الأمريكيين بالتفاوض معه. ويبدو أن السفير العراقي في بون، أبلغ صدام أن يونجن له علاقة قوية مع المستشار الألماني هيلموت كول.

وشكا صدام لرجل الأعمال الألماني أنه حتى حينه زار العراق سياسيون ألمان سابقون، وطلب منه أن يُبلغ كول أنه بوسعه البدء بالتوسط وأعرب الرئيس العراقي عن أمله بأن يتم التوصل إلى تسوية بالتعاون مع الألمان. وعلى الرغم من أن يونجن حاول أن يشرح لصدام موقف كول، حيث أوضح أنه يدين للأمريكيين بوحدة بلاده، وأنه لا يستطيع أن يقوم بدور محايد في النزاع، إلا أن صدام أعرب عن قناعته بأن الألمان يستطيعون التوسط لتفادي وقوع حرب، وحمله رسالة شفهية إلى كول مفادها أنه على استعداد للتفاوض مع الأمريكيين، علنا أم سرا، وقال صدام إنه سيقبل بكل اقتراح يقدمه إليه المستشار الألماني كول.

وقال يونجن إن صدام لم يرد على مداخلته التي أوضح فيها أنه من المستحيل بدء مفاوضات إذا ظلت القوات العراقية تحتل أراضي الكويت، وأنه يمكن تفادي الحرب إذا قرر الانسحاب من الكويت دون شروط، لأن هدف الائتلاف الدولي كان تحرير الكويت.

وبتاريخ 26 نوفمبر 1990 توجه يونجن إلى ديوان المستشارية، حيث التقاه هورست تلتشيك، مستشار كول للسياستين الأمنية والخارجية، وكانت تربطه به علاقة وثيقة، لأن كول كلف تلتشيك بالتفاوض مع العراق عبر سفيرهم لدى بون، وكان يتم إبلاغ الأمريكيين بالنتائج وتحديدا مستشار الأمن القومي الأمريكي برينت سكوكوروفت ووزير الخارجية الأمريكي جيمس بيكر.

 وأسفر ذلك عن أول لقاء مباشر بين تلتشيك والسفير العراقي في منزل يونجن بمدينة كولون، وبعد أيام قليلة صرح بيكر علنا أن بلاده ترفض أي نوع من المفاوضات مع العراق حول تواجد قواته في الكويت. وحصل أكثر من لقاء بين تلتشيك والسفير العراقي في منزل رجل الأعمال الألماني ثم بين بيتر هارتمان، الذي خلف تلتشيك في منصبه والسفير العراقي المقرب من صدام امتدت إلى يناير 1991 وكانت واشنطن تتطلع على النتائج وترد أحيانا، أي نشأ نوع من الحوار غير المباشر بين واشنطن وبغداد، وكانت آخر محادثة بالخصوص قد استغرقت أربع ساعات على الهاتف مع واشطن يوم 16 يناير، أي قبل وقت قصير على بدء عملية تحرير الكويت.

وكان كول يرى أن توسط بلاده بعد شهرين على استعادتها وحدة شقيها، سيكون أفضل فرصة لتجنبها الانضمام لهذه الحرب من خلال السعي إلى تسوية سلمية وتجنب وقوع حرب، وقد أكد تلتشيك ذلك مرارا إلى السفير العراقي. وفي ديسمبر 1990 كان كول واثقا من التوصل إلى تسوية وكذلك السفير العراقي، غير أن القيادة العراقية لم تقتنع بأنه يتعين عليها سحب القوات العراقية من الكويت كشرط أساسي لتسوية سلمية، لأن صدام كان يخشى خسارة ماء الوجه، مما كلفه خسارة كل شيء في النهاية.