بقلم - هارون يحيى:

تسببت الحرب الأهلية المتواصلة في سوريا في نشوب أزمة لاجئين عالمية، تعتبر الأسوأ من نوعها على الإطلاق، تجاوزت خطورتها حتى الأهوال التي خلفتها الحرب العالمية الثانية، وقد استضافت تركيا 3.5 ملايين لاجئ سوري.

ومن واجب البشرية جمعاء تقديم يد المساعدة لأولئك الذين فروا من مآسي الرعب في أوطانهم وطلبوا المساعدة، ولا يجب الخشية منهم أو الالتفات إلى من يحذر من مخاطرهم على مستوى عيش المواطنين، لأن هؤلاء اللاجئين يجلبون معهم أرزاقهم، ونحن نرى فيهم نعمة من الله، ومُرحَب بهم جميعًا في أرضنا، بل وينبغي منحهم جميعًا الجنسية التركية لكي يتمتعوا بحقوق الرعاية الصحية والتعليم والعمل وما إلى ذلك، ولا بد من التمييز بين هؤلاء اللاجئين وبين الأفراد الذين ينتمون إلى الجماعات الإرهابية، ولهذا السبب باشرت وزارة الشؤون الداخلية التركية عمليات التسجيل، واتخذت تدابير أمنية واسعة النطاق.

نظرًا لهشاشة أوضاع اللاجئين جسديًا وعاطفيًا، فقد أثار وجودهم قلق بعض المواطنين الأتراك، الذين لم يسعدوا بهم على الإطلاق، وسبب هذا الشعور السلبي أنهم لا ينظرون إليهم من منطلق الواجب والضمير، بل يحملونهم ما آل إليه الوضع من الزاوية الاقتصادية والاجتماعية، ويربطون بينهم وبين تدهور الأوضاع مباشرة بعد وصولهم الأراضي التركية، ومع ذلك، لا يليق أبدًا أن يضمر المواطنون الأتراك مشاعر سلبية ضدهم، لأن الواجب وأول شيء يجب القيام به في مثل هذه الحالات الإنسانية، هو التعاطف مع كل من عانى ويلات الحروب وفقد أحباءه، فلا ننسى أنهم تركوا وراءهم منازلهم، ووظائفهم، وأموالهم وكل ما يملكونه، لا لشيء سوى للنجاة بحياتهم، ومن ثم فإن مطالبتهم بالعودة إلى سوريا معناه فعليًا الإلقاء بهم في لهيب تلك النيران المشتعلة، ومعنى ذلك أيضًا، الدفع بهم نحو موت محقق، وليس هناك معنى آخر.

ولنفترض لا قدر الله، أنه حدث شيء مماثل في تركيا، وأجبر مواطنونا على الفرار باتجاه بلدان أخرى لإنقاذ حياتهم، كيف يريدون أن يعاملهم أهل البلدان المضيفة؟ ولهذا السبب، يجب على إخواننا الأتراك التحلي بقيم الإنسانية والتحلي بالسلوكيات التي يتوقعونها من غيرهم، ولا ينبغي لأي شخص ذي ضمير، يحمل قلبه ذرة من رحمة، أن يسمح لنفسه بحمل مثل هذه الكراهية في قلبه إزاء ضحايا الصراع، بصرف النظر عن دينهم أو عرقهم أو جنسيتهم.

وخلافًا لما تروجه بعض الجهات من آراء سلبية حول اللاجئين، تشير التحليلات إلى أنه كان للاجئين السوريين أثر إيجابي على النمو الاقتصادي، بفعل زيادة الاستهلاك والإنفاق بسبب ارتفاع عدد السكان.

وجاء وفقًا لـ «اتحاد الغرف والتبادلات السلعية في تركيا» (TOBB)، أن عدد الشركات التي أقيمت في تركيا مع شريك سوري واحد على الأقل، بلغ حوالي 6 آلاف شركة في نهاية عام 2016، وقد أسس السوريون 33.7٪ من الشركات التي تم تشكيلها حديثًا في الأشهر السبعة الأولى من عام 2017، وفقًا لتقرير صادر عن اتحاد الغرف والتبادلات السلعية في تركيا.

من الواضح أن اللاجئين السوريين الذين يحاولون التكيف مع بيئة جديدة تختلف تمامًا عن بيئتهم الأصلية يمرون بأوقات عصيبة، لأنه ليس من السهل الإقامة ومزاولة النشاطات على أرض يتحدث أهلها لغة مختلفة ولديهم ثقافة مختلفة. ولذا يقع على تركيا كدولة، وبجميع مكوناتها، مسؤولية دعم اللاجئين السوريين ومساعدتهم على الاندماج في مجتمعنا، باعتبارهم أفرادًا من أسرتنا لأنهم أصبحوا الآن جزءًا منا، وتركيا هي في الواقع ملكنا جميعًا، بما في ذلك ضيوفنا السوريين.

ولا يجب أن يغيب عنا أن تركيا تتشكل أصلًا في غالبيتها من المهاجرين، بسبب الهجرات القسرية في عهد العثمانيين وهم الذين يشكلون بلدنا اليوم، ومن نفس المنطلق، نعتقد أن السوريين سيندمجون في نهاية المطاف مع بقية مكونات البلاد وينصهرون في المجتمع التركي بمساعدة أصحاب الضمير من الشعب التركي. ومن أجل تحقيق هذا الهدف، من المفيد وضع برامج تكاملية، من قبيل دورات تدريس اللغة التركية وإلقاء المحاضرات التربوية في مجال الفنون والعلوم وبرامج التعليم المهني لإعداد اللاجئين وتأهيلهم لإيجاد الوظائف المناسبة، ومن ناحية أخرى، يمكن للأشخاص الواعين والمنظمات غير الحكومية -بدعم من الحكومة- تنظيم اجتماعات لمساعدة الشعب التركي على التواصل الاجتماعي مع اللاجئين السوريين وعقد مؤتمرات لزيادة الوعي في البلاد، وتثقيف المواطنين حول الصراع السوري بمزيد من التفصيل، فضلًا عما لذلك من أثر نفسي إيجابي على الشعب السوري، من أجل إشعارهم بالاطمئنان وأنهم مرحب بهم أفضل ترحيب. 

كاتب تركي