كتب:جهاد فاضل ..
في هذا المقال عن الشاعر المصري الكبير إبراهيم ناجي نعرض لآراء نقدية قيّمة في الشاعر وشعره صدرت في كتاب الناقد الكبير علي محمد الفقي، صادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب. وترجع أهمية الكتاب بنظرنا إلى هذه الآراء النقدية، وإلى استعادته الدقيقة لسيرة ناجي وسيرة الشعر العربي المعاصر في زمانه، ناجي كان في عداد الأسماء الطليعية لمجدّدي الشعر يومها ولكنه لم يسلم من أقلام نقاد كبار أخذوا على شعره مآخذ شتى: منها ركاكة تعبيره الشعري، ونعرض هنا صورة دقيقة لناجي وشعره وعصره.

 ناجي وأم كلثوم
كثيراً ما اعتبر بعض الباحثين أنه لولا المطربة الكبيرة أم كلثوم لما تجدّد الحديث عن الشاعر إبراهيم ناجي في النقد الأدبي المعاصر ولانطوى أي أثر له تماماً كما انطوى أثر رفاقه الآخرين من جماعة أبولو، فعندما غّنت أم كلثوم مقاطع من قصيدته الطويلة "الأطلال" رُدَّت الروح إليه، وعاد شعره يتردٌد على الأفواه في كل مكان من بلاد العرب.

ولكن من الباحثين من يرى أن في تراث وسيرة إبراهيم ناجي ما يؤهله للبقاء في الشعر العربي المعاصر، دون أن ينكر مأثرة أم كلثوم هذه، فناجي، قبل "أطلال" أم كلثوم، كان معروفاً كشاعر كبير في زمانه الشعري بين الثلاثينيات والخمسينيات من القرن الماضي، وكان معروفاً كشاعر مثقف ثقافة أجنبية جيدة، تظهر هذه الثقافة الأجنبية في شعره، كما تظهر في ترجمات كثيرة له عن الأجنبية منها ترجمته لديوان بودلير: أزهار الشرّ.

 وقد سلك شعره على العموم مسلك الرومانسيين الفرنسيين المشهورين كألفرد دي موسيه ولامارتين وبودلير، وكذلك مسلك الرومانسيين العرب الذين سبقوه سواء في مصر وفي لبنان ومنهم الشاعر خليل مطران الذي كان يعتبره ناجي بمثابة أستاذ له، كما كان يعتبره كذلك شعراء أبولو وعلى رأسهم الشاعر أحمد زكي أبو شادي مؤسس هذه الجماعة، والمعروف أن هذه الجماعة اختارت مطران خليل مطران رئيساً شرفياً لها بعد رحيل أمير الشعراء أحمد شوقي الذي كان رئيسها الشرفي الأول.

إحقاق الحق
وتحت عنوان "إحقاق الحق" أو الانتصار لعدالة "الحكم الأدبي، يرى كثيرون أن ناجي فتح في الشعر، كما في نقده، آفاقاً جديدة، وأفاض على العربية من روحه الكثير. فرضت هذه الروح على قراء أدبه أن يشعروا بهمهمة قلبه، ويحسّوا بحديث عقله، ويستشعروا معه موضوعات النفس، والحياة. وإذا كانت سمة الشاعر الجديد هو ما يثيره في النفس عند قراءته من إحساس خاص يجعل قارئه يجول معه في أودية سحيقة هي من صنع الموهبة وحدها، ثم يظل معه يُسمعه همهمة قلبه وحديث عقله في موضوعات النفس والحياة، فلا شك أن إبراهيم ناجي شاعر كبير بالمعنى الذي يعطى عادة لهذه العبارة.

ومن الطبيعي ألا يسلم شاعر من النقد وقد تعرض ناجي لنقد وذاق حلوه ومرّه. ونقاده صنفان: صنف قسا عليه واشتد في قسوته، وصنف آخر وقف إلى جانبه يشيد بفنه ويرفع من قدره. من الصنف الأول كان محمود عباس العقاد وطه حسين وسواهما من النقاد الذين تأثروا بالمدارس النقدية القديمة أو المحافظة في ثقافتهم، أو أرادوا من الشاعر أن يرتقي بعبارته إلى الأسلوب الإنشائي الجزل والعبارة الرنانة، ومن الصنف الآخر كان السحرتي وعلي الطنطاوي ومحمد مندور وأحمد زكي أبو شادي وسواهم من دعاة التجديد و"الرقة العاطفية" التي أخذها العقاد عليه.

ظاهرة شعرية
ويلخص الناقد مصطفى السحرتي ناجي بقوله إنه كان ظاهرة شعرية فريدة بهرت بيئتنا الأدبية في مطلع الثلث الثاني من هذا القرن، شاعرية مجددة نفرت من القوالب القديمة وازورّت عن شعر القريحة، شاعرية وجدانية مبدعة."وعندما يسطّر النقد الأدبي الصادق، فسوف يسجل بمداد من ذهب أثر ناجي الأدبي البارز في فن الشعر العربي المعاصر، سوف يسجّل له إبداعه التعبيري وصدقه الوجداني، وهما جناحا الشاعر النابغة على امتداد العصور".

هل سرق "عاصفة روح"
على أن عدة عواصف نقدية ثارت بوجه ناجي، غير عاصفة العقاد وطه حسين، من أبرزها عاصفة نقدية قادها الصحفي المصري حبيب الزحلاوي الذي اتهم ناجي بأنه سرق إحدى قصائده، معنى ووزناً، من "الشاعر" الدمشقي ميشيل عفلق، وجّه الزحلاوي نقده إلى قصيدة ناجي "عاصفة روح" التي قال إنه أعجب بها أشدّ الإعجاب واستمع إلى ناجي ينشدها قبل نشرها، ولكنه عندما رجع إلى ذاكرته لقي مطلع قصيدة من ذات العنوان والوزن من نظم الشاعر الدمشقي ميشيل عفلق، وكانت منشورة في العدد السابع من مجلة الدهور الصادرة في سبتمبر 1934 ومطلعها:

اعصفي يا رياح
واهزئي يا سماء
من يكن ذا جناح
هل يهاب الفضاء ؟

ولقي ناجي في المقطع الثاني من قصيدته يقول:

اعولي يا جراح
اسمعي الديّان
لا يهمّ الرياح
زورق غضبان

ثم عقب بقوله: "وأخيراً لقيت من الأليق أن أسألك عما إذا كان هذا من توارد الخواطر، وقد ألفنا تعليل الإغارات الأدبية بتوارد الخواطر.. أريد أن أمضي معك في تعليلك، وأن أكتفي بنشر مقطع واحد من قصيدة ذلك الشاعر الدمشقي يتفق مع مطلع قصيدتك.

أريد ذلك حتى لا أضيف خسارة صديق جديد إلى قائمة أولئك الضعفاء غير المأسوف على صداقتهم. فهل من تعليل؟ إني لمنتظر"!

عفلق أفندي
ولم يخب ظن الزحلاوي، فقد ردّ عليه ناجي في العدد الذي يليه بقوله:
"ولما كنت لم يسبق لي التشرف بقراءة شيء، ولم أسمع مطلقاً قبل اليوم عن شاعركم الدمشقي عفلق أفندي، فإني أرجوكم أن تنشروا قصيدتي وقصيدته معاً. وأعتقد أن الأستاذ صاحب "الرسالة" لا يمانع في ذلك، مادام قد سمح لك أن توجه ما كتبت إليّ، وألفت نظر الزحلاوي أفندي إلى أن المقطعين اللذين انتخبهما لي ولعفلق أفندي ليس فيهما ذرة من التشابه، فما الشبه بين "اعولي يا جراح" و"اعصفي يا رياح"؟ وما الشبه بين "اسمعي الدّيان" وبين اهزئي يا سماء؟ هذا فهم عجيب"!

كان ردّ ناجي ردّاً مقنعاً وفيه إفحام وتوجيه برأي البعض، الزحلاوي لم يشأ أن يضّيع صداقة شاعر يعتزّ به ويؤمن بشاعريته، ويركن إلى جانب شاعر من أولئك الضعفاء الذين لا يُؤسف على صداقتهم.

ولكن العدد اللاحق من «الرسالة» حمل مداخلة في الموضوع كتبها الناقد السوري الشيخ علي الطنطاوي بعنوان سرقة أدبية ورد فيها ما يلي:

"نحن لم نقرأ قصيدة :عاصفة روح" ولا قصيدة "عفلق"، ولا نعتبر بهذا الشعر لأنا لا نجد فيه روحاً كالتي نريد، ولا لغة كالتي نرتضي، ولكننا مع هذا نعلم أن الدكتور ناجي من نابغي الشعراء في مصر، ونعرف أن له أشياء بالغة في بابها حد الجودة، فأحببنا أن نطمئن الدكتور إلى أنه ليس في دمشق شاعر يسمّى «ميشيل عفلق» ألبتة، وربما كان فيها كاتب صحفي أو ترجمان قصص بهذا الاسم. أما شاعر فلا.. وقد سألنا عن القصيدتين صديقنا الشاعر أنور العطار، فأكد لنا أن قصيدة عفلق مسروقة من قصيدة لشاعر من شعراء سوريا في المهجر، وأن هذا هو السرّ في أنه لم ينظم في حياته غيرها"!.

الطنطاوي لا يؤمن بهذا اللون من الشعر ولا يعتّد به، ولكنه رغم كل هذا يحتفظ لناجي بصفة النبوغ، وبأن له أشياء بالغة حّد الجودة، ثم يردّ على ميشيل عفلق فريته ويصمه بالسرقة معتمداً على شهادة صديقه الشاعر أنور العطار.

هذا النقد يدفع سرقة السارقين ويحتفظ لناجي بالسبق والإجادة، كما يقطع الطريق على قلم من الأقلام الحادة التي لا ترحم ولا تلين.

ردّ عفلق
وقد ردّ عفلق في عدد "الرسالة" رقم 119 على كل ذلك بقوله:
لا شك أن الغيرة الأدبية هي التي دفعت صديقي الأستاذ الزحلاوي إلى فتح هذا النقاش لاعتقاده أن ثمة تشابهاً كبيراً بين قصيدة الدكتور ناجي وبين قصيدتي "عاصفة" المنشورة في مجلة الدهور منذ عام ونيف، على أنني أرى هذا التشابه ضئيلاً جداً، ولا يجوز أن يُعزى إلا إلى توارد الخواطر".

ويكتفي الدكتور أحمد زكي أبو شادي في نقده لناجي بقوله إنه يحترم النغم ولكنه لا يحترم التعّمل. ومع ذلك جعل شعره يتعالى على القيود والصنعة، وهذا القول ليس على إطلاقه. فقد يجّود ناجي شعره، وينّخله، وذلك طبع الشاعر لأنه لمّاح سريع البديهة.

ولم يسلم شعر ناجي من نقد بعض تلاميذه، فقد أفردت الدكتورة نعمات أحمد فؤاد في كتابها "ناجي الشاعر" فصلاً ضافياً تحدثت فيه عن "فن ناجي الشعري" ونقدته من ناحية الجمال والصورة.
وتحدثت عن الألفاظ ومقدرة ناجي على صياغتها واختيارها، وشبهت الباحثة ألفاظه بأنها "مستديرة ناعمة كالتفاحة"، واستشهدت على قولها بهذه القصيدة:

أرى في عمق خاطركَ
جلالاً يشبه البحرا
وألمحُ في نواظركَ
صفاء الرحمة الكبرى
وأنت رضى وتقبيلُ
وأنت ضنى وحرمانُ
وفي عينيك تقبيلُ
وفي البسمات غفرانُ
وأنت تَهَلُّلُ الفجرِ
وبسمتُه على الأفق
وحيناً أنَّة النهر
وحزن الشمس في الغَسقِ
وعندك كل ما أظمأ
وردّ القلبُ لهفانا
وعندي كل ما أدمى
وزاد الجرح إِثخانا
وعندك كل ما أحيا
وشدَّد عزمه الواهي
حنانُكَ نضرة الدنيا
وقربُكَ نعمةُ اللهِ!

وعابت نعمات أحمد فؤاد على ناجي التشبيه التالي وعدّته غير موفق:

وغراماً كان مني في دمي
قدرا كالموت أو في طعمهٍ

ولماذا لا يكون هذا التشبيه موفقاً؟ أليس الحب قدراً وكذلك الموت، وعندما يحل الموت لا يستطيع الميت منه فراراً وكذلك الحب، وطعم الموت فيه المرارة للأحياء والراحة للمفارقين. وكذلك الحب يجمع بين المرارة والراحة.

ولكنني آخذ على الشطر الثاني من هذا البيت (قدرا كالموت أو في طعمه) لا اعتبار الغرام قدراً كالموت، فالعبارة جائزة ولا اعتراض لي عليها، بل عبارة: (أو في طعمه) فالاستطراد إلى «أو» هذه عملية عقلية ونثرية داعية، في حين أن ما قبلها كان شعراً محضاً. «أو» هذه نقلت القارئ من مناخ شعري محض إلى مناخ تقريري وتعليلي يضيق به الشعر.

وسردت الباحثة بعض الأخطاء التي تعود إلى اللفظ والمعنى.
أشارت إلى وجود بعض التقليد في قوله:

شجن على شجن وحرقة نار
من مسعفي في ساعة التذكار؟
وفيه يشبه المتنبي حين قال:
أرقٌ على أرقٍ ومثلي يأرقُ
وجوىً يزيدُ وعبرةّ تترقرقُ

وفرق بعيد بين السعادة في ساعة التذكار وبين الجوى الزائد والعبرة المترقرقة.
كما عابت عليه التشبيه في قوله: «وإذا الفجر مطل كالحريق»، معتبرةً أن تشبيه الفجر النادي الألاق بالحريق غير موفق، ولكنه النقد الفقهي. فالحريق لهب ونور، والفجر يطل على حرقته والحرقة تشتعل في أحشائه ويطل على الدنيا بفؤاد ملتهب وقلب متقد.
فلا غرابة في التشبيه إذن.

عامية مبتذلة.
وأخذ النقاد عليه قوله:

نعطي ونأخذ في الحديث ومقلتي
مسحورة بجمالك الوضاء

«نعطي ونأخذ» مع أنها مطابقة لمقتضى الحال: عامية مبتذلة.
وعابوا عليه قصر النفس وسرعة التألق والذبول. فهو لا يطيل القصائد وإنما يقدمها براقة لماحة، ويكتفي باللوحة الخفيفة الظل واللون. ولعل عذره في ذلك يعود إلى طبيعته النفسية التي فُطر عليها، وطبيعته الفنية التي أجاد القول فيها.

وقد نبّهت اللجنة التي جمعت تراثه الشعري إلى أنها عثرت وهي تراجع شعره «على أبيات خانتها اللغة أو القصيدة نتيجة لأخطاء مطبعية، أو لسقوط كلمة من مخطوطة، أو لخداع الموسيقى للشاعر في بعض الأحيان، ومن أمثلة ذلك قوله:

- من قصيدة الأطلال:
ومضى كلّ إلى غايتهٍ
لا تقلْ شيئاً وقُلْ لي: الحظُّ شاءْ
وقد جعلناها «شئنا» بدل «شيئاً» لتقويم المعنى.
- وفي قصيدة بعد الفراق:
وها أنا لا أدري عنك سرّا
عرفت محبتي ورأيت دمعي
وقد جعلناها «أداري» بدل «أدري» لتقويم الوزن والمعنى
- وفي قصيدة السراب .
وذراعي في انتظار وصدري
فيه بالضيف فرحة واحتفاء

وقد جعلناها «وذراعاي» بدل «وذراعي» لتقويم الوزن واللغة.
وهذه ملاحظة جديرة بالالتفات لأن الشاعر، وهو طبيب، كان يخط بيده فوق بطاقة أو منديل أو ورقة علاج لمريض، ثم يعود لما كتبه بعد وقت فيصلح من خطئه، وأحياناً ينسى في زحمة العمل أو كثرة التبعات أن يجوّد ما خطّه فيظلّ على حاله الأول.

مواقف مختلفة من ناجي
وهكذا نجد مواقف مختلفة للنقاد من ناجي وشعره.
منهم من أخذ عليه مذهبه في الشعر، ومنهم من نال من شاعريته. وهناك من جمع أخطاءه اللغوية أو الشعرية، أو وقف إلى جانبه يشدّ من أزره.

ولكن أعنف الحملات النقدية التي واجهها كانت حملة النقد الكلاسيكي، أو النقاد الكلاسيكيين في زمانه وعلى رأسهم طه حسين والعقاد. وقد واجه الشاعر هذه الحملات وردّ عليها، ولم يستسلم، على النحو الذي سنراه في عدد قادم.